مخبر تطبيقي ينتقل "من الفكرة إلى الصورة" بأيام النعامة
"ماذا نضع فوق الخشبة؟".. جاب الله يفكّك أسرار السينوغرافيا
- 380
دليلة مالك
لم تعد السينوغرافيا في المسرح المعاصر، مجرّد تصميم للديكور أو إعداد لخلفيةٍ تحتضن حركة الممثلين، بل أصبحت عنصرا أساسيا في تشكيل الرؤية الإخراجية، وبناء المعنى البصري والجمالي للعرض. ومن هذا المنطلق احتضن المسرح الجهوي "محمد بن قطاف" بالنعامة، أوّل أمس، مخبرا تطبيقيا حول بناء الرؤية السينوغرافية، أشرف عليه الدكتور حمزة جاب الله، تحت عنوان "من الفكرة إلى الصورة"، في إطار فعاليات الدورة الثانية من الأيام المسرحية بن قطاف.
سعى هذا الماستر كلاس إلى تعريف المشاركين بمختلف مراحل الانتقال من الفكرة الدرامية إلى تجسيدها فوق الخشبة، من خلال مقاربة تطبيقية تضع الفضاء المسرحي في صلب العملية الإبداعية؛ باعتباره عنصرا فاعلا في إنتاج الدلالة، وتوجيه إدراك المتفرّج وليس مجرّد إطار مكاني تجري فيه الأحداث. فالسينوغرافيا، وفق هذا التصوّر، تقوم على بناء علاقة متكاملة بين الفضاء والضوء واللون والكتل والأشياء وحركة الأجساد، بما يمنح العرض هويته البصرية، ويعزّز قدرته على التعبير. وانطلق المخبر من قراءة النصّ الدرامي وتحليل مكوّناته، وصولا إلى تحديد العناصر التي يمكن توظيفها في بناء الفضاء الركحي.
وشمل المسار دراسة كيفية تنظيم الكتل، وتوزيع الضوء والظلال، إلى جانب استكشاف العلاقة بين حركة الممثلين والأشياء ومصادر الإضاءة. كما أتاح للمشاركين التفكير في ضرورة كلّ عنصر يوضع فوق الخشبة، والبحث في مدى خدمته للرؤية الفنية بما يتيح تجاوز الحشو البصري، والتركيز على العناصر القادرة على حمل الدلالة، وتعزيز التعبير المسرحي. في الجانب التطبيقي، استند الدكتور حمزة جاب الله إلى نماذج من المسرح العالمي، من بينها مسرحيتا "في انتظار غودو" لصامويل بيكيت، و"هاملت" لويليام شكسبير، لفتح المجال أمام المشاركين لاستكشاف إمكانات متعدّدة في بناء الفضاء المسرحي انطلاقا من النصّ.
وتقوم هذه المقاربة على تحرير المخيّلة السينوغرافية من الالتزام الحرفي بالمكان الوارد في النص، ومن التصوّرات الواقعية الجاهزة، لصالح بناء صورة ركحية، تستجيب لخصوصية العمل الدرامي، ورؤية مبدعيه.
كما توقّف المخبر عند تجارب عدد من الأسماء البارزة في مجال السينوغرافيا والمسرح؛ على غرار روبرت ويلسون، ويوزف سفوبودا، وتاديوش كانتور، وبيتر بروك، بوصفها نماذج تكشف تنوّع المقاربات الجمالية في تشكيل الفضاء المسرحي. وتتيح هذه التجارب التعرّف على أساليب توظيف الأشكال الهندسية، والكتل والإسقاطات الضوئية، فضلا عن طرائق بناء العلاقة بين جسد الممثل والفضاء المحيط به، وتحويل العناصر البصرية إلى أدوات للتعبير وإنتاج المعنى.
وحظي الضوء واللون بحيّز مهم ضمن محاور التكوين بالنظر إلى دورهما في صياغة الصورة الركحية، وتحديد طبيعة العلاقة بين العرض والمتفرّج. فاختلاف زاوية الإضاءة سواء كانت أمامية أو جانبية أو عمودية، لا يقتصر أثره على إبراز الممثل أو العناصر الموجودة فوق الخشبة، بل يمتدّ إلى تغيير دلالة المشهد، وتوجيه الانتباه نحو تفاصيل بعينها.
كما تشكّل الظلال والصور الظلية إمكانات تعبيرية، تفتح آفاقا جمالية تتجاوز التمثيل المباشر، وتمنح الفضاء أبعادا رمزية وبصرية إضافية. وانتقل المشاركون في ختام الجانب التطبيقي، إلى إعداد تصوّرات أوّلية لمشاريع سينوغرافية قابلة للتطوير انطلاقا من اختيارات جمالية ووظيفية تتلاءم مع طبيعة كلّ مشروع. وشكّل هذا التمرين فرصة لاختبار سبل تحويل الفكرة الدرامية إلى صورة مسرحية ملموسة، واستيعاب أثر الأحجام والألوان والضوء في تشكيل الفضاء، وصناعة تجربة حسية لدى المتلقي.
ويختزل السؤال المحوري الذي رافق مختلف مراحل المخبر، جوهر التفكير السينوغرافي: ماذا نضع فوق الخشبة؟ ولماذا نختار هذا العنصر دون غيره؟ وما الأثر الذي نريد إحداثه لدى المتفرّج؟ وهي أسئلة تجعل من السينوغرافيا ممارسة فكرية وجمالية تسبق التنفيذ المادي، وترافق بناء العرض في مختلف مراحله انطلاقا من فهم النص، ووصولا إلى صياغة صورته النهائية.
واختُتم اللقاء باقتراح من مدير المسرح الجهوي "امحمد بن قطاف" ، إبراهيم جاب الله، يقضي بفتح أبواب هذه المؤسسة الثقافية أمام مشروع الدكتور حمزة جاب الله؛ قصد إتاحة المجال لتطوير تصوّره الجديد في مجال السينوغرافيا الذي أطلق عليه تسمية "الحدث السينوغرافي". ويأتي هذا المقترح ليفتح أفقا أمام احتضان التجارب والمشاريع الإبداعية، وتطوير البحث في الممارسات السينوغرافية بما يعزّز حضور هذا المجال في المشهد المسرحي، وينقل التفكير فيه من حدود تصميم الفضاء، إلى استكشاف إمكاناته؛ بوصفه حدثا فنيا قائما بذاته.
* مبعوثة "المساء" إلى النعامة: دليلة مالك