الأدبية النسوية مقابل الأدبية الذكورية
مراجعة نقدية في الخطاب واللغة وتمثيل السلطة
- 377
لطيفة داريب
أكدت الأستاذة صمادي أمينة، في ورقة بحثية تلقتها “المساء”، أن الجدل حول الأدبية النسوية في مقابل الأدبية الذكورية، لم يعد مجرد نقاش تصنيفي قائم على جنس الكاتب، بل غدا سؤالا نقديا مركزيا، يمس بنية الخطاب الأدبي نفسه، وآليات اشتغاله وتمثيل السلطة داخله. فالأدب، بوصفه ممارسة رمزية، لا ينتج المعنى في فراغ، وإنما يتشكل داخل منظومة ثقافية تحدد: من يتكلم؟ وكيف؟ ولصالح من؟
انطلقت الأستاذة صمادي أمينة في دراستها، من اعتبار الأدبية الذكورية نسقا مهيمنا، فترى أن مراجعتها نقديا تقتضي التعامل معها بوصفها نسقا ثقافيا، لا مجرد كتابة ينجزها الرجال. والذكورية هنا ليست صفة بيولوجية، بل بنية ذهنية ومعرفية، رسخت مركزية الذات الذكورية باعتبارها ممثلة للإنسان الكوني. وقد تجلى ذلك في التاريخ الأدبي، عبر جعل التجربة الذكورية معيارا عاما، بينما قُدمت التجربة الأنثوية بوصفها استثناء أو هامشا.
وتضيف الباحثة أن نقد هذا النسق، يكشف أن اللغة نفسها كانت أداة سلطة؛ إذ صيغت المفاهيم الجمالية وأنماط البطولة ومعايير القيمة الأدبية من منظور ذكوري. فالمرأة ـ في كثير من النصوص الكلاسيكية ـ ليست ذاتا واعية، بل “علامة” تُستدعى لخدمة تطور السرد الذكوري: إما ملهمة، أو خائنة، أو ضحية، دون أن تمتلك حق تعريف نفسها بنفسها.
وانتقلت الأستاذة بعد ذلك، إلى الأدبية النسوية بوصفها خطابا تفكيكيا، مؤكدة أن دورها لا يقتصر على إضافة “موضوع المرأة” إلى الأدب، بل إنها مشروع نقدي يسعى إلى مساءلة المسلمات المؤسسة للكتابة التقليدية. وقد نبهت سيمون دي بوفوار مبكرًا، إلى أن “المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح كذلك”، وهو قول يتجاوز الجانب الاجتماعي، ليشمل الأدب، حيث تُصاغ الأنوثة لغويا ورمزيا.
في هذا السياق، تعمل الأدبية النسوية على تفكيك الصور النمطية للمرأة في المتن الأدبي، وفضح العلاقة بين اللغة والهيمنة، وإعادة كتابة الجسد الأنثوي بوصفه تجربة وجودية لا مجرد موضوع للرغبة الذكورية ـ كما تشير صمادي. لهذا تميل كثير من النصوص النسوية إلى كسر البنية السردية الخطية، واعتماد التقطيع، والكتابة الاعترافية، والاشتغال على التفاصيل اليومية، بوصفها مقاومة صامتة لخطاب “العظمة” الذكوري، الذي همش الهامشي والبسيط.
مع ذلك، ترى الباحثة أن المراجعة النقدية المنصفة، تقتضي الاعتراف بأن الأدبية النسوية - في بعض تجلياتها - وقعت في فخ التقابل الحاد، حين استبدلت مركزية الرجل بمركزية المرأة، وأفرغت النقد من أبعاده الجمالية لصالح خطاب إيديولوجي مباشر. فليس كل ما تكتبه امرأة نصا نسويا بالضرورة، كما أن ليس كل نص يكتبه رجل نصا إقصائيا. وتؤكد إيلين شوالتر في طرحها لمفهوم النسوية الجينولوجية، أن الخطر يكمن في اختزال الأدب إلى هوية صاحبه، بدل تحليل النص من حيث بنيته وخطابه؛ إذ يفقد الأدب قيمته حين يتحول إلى بيان، سواء كان ذكوريا أم نسويا.
وتخلص الأستاذة صمادي، إلى أن تجاوز ثنائية الأدبية النسوية/ الذكورية لا يعني إلغاء الاختلاف، بل تحريره من الصراع العقيم. فالنقد المعاصر يدعو إلى قراءة الأدب بوصفه حقلا تتقاطع فيه الهويات وتتداخل فيه الأصوات، بحيث لا يكون السؤال: من يكتب؟ بل: كيف يكتب؟ ولمن؟ وبأي وعي لغوي ومعرفي؟
لقد برهنت نصوص كثيرة لكتاب وكاتبات، أن الكتابة القادرة على مساءلة السلطة وكشف التحيز ومنح “الآخر” صوته، هي كتابة تتجاوز حدود الجنس إلى أفق إنساني أوسع. فالأدبية النسوية، في جوهرها العميق، ليست نقيضا للأدبية الذكورية، بل مرآة نقدية تكشف عيوبها وتعيد مساءلة بديهياتها. أما الأدبية الذكورية، حين تتحرر من وهم المركز وتفسح المجال لتعدد الأصوات، فإنها تتحول من خطاب هيمنة إلى خطاب مشاركة. وهكذا يظل الأدب - في أنبل صوره - فعل وعي، لا انتصار هوية.
للإشارة، الأستاذة صمادي أمينة أستاذة لغة عربية بإحدى المدارس الابتدائية في ولاية تبسة، متحصلة على شهادة الماستر بتقدير امتياز. تكتب في مجال القصة القصيرة والرواية والمقالات الأدبية النقدية، وتميل في كتاباتها إلى الأسلوب الرمزي والشاعري، حيث تزاوج بين الحس الإبداعي والرؤية النقدية العميقة. كما تجمع بين الرسالة التربوية والبحث الأكاديمي والكتابة الإبداعية، إيمانا منها بدور الكلمة في بناء الوعي والذائقة الجمالية.