مسلسل "المهاجر" تحت مجهر الأطباء
مشهد درامي يشعل جدلاً مهنياً وأخلاقياً
- 260
لطيفة داريب
أثار مسلسل "المهاجر" الجدل، خصوصاً عند ممارسي الصحة العمومية، حيث قدّمت نقابته شكوى رسمية أمام رئيس سلطة ضبط السمعي البصري، متّهمة صنّاع المسلسل بعرض مشهد خادش للحياء، يتمثّل في تحرّش طبيب بمريضة في مكان العمل، وأثناء أدائه واجبه المهني، وهو ما قد يؤدي إلى زعزعة ثقة الناس بالسلك الطبي.
أكّد رئيس النقابة الوطنية لممارسي الصحة العمومية إلياس مرابط، في البيان الذي وقّعه، تنافي مشهد من مسلسل "المهاجر" مع أخلاقيات مهنة الطبيب، ودفعه بالجمهور إلى أخذ نظرة سيئة وسلبية عن السلك الطبي، خاصة مع تناوله بشكل واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، فيما تضاربت آراء الأطباء، فمنهم من أيّدها بشدّة، وعلى رأسها صفحة "أطباء" على الفيسبوك، ومنهم من عارضها. وفي هذا الصدد، كُتب في منشور فيسبوكي على صفحة "أطباء" ، أنّ هذا المسلسل موجّه للعامة، ويحمل إهانات مبطّنة، ستدفع بالمتفرّج إلى الاعتقاد أنّ الطبيب يصطاد المريضات، علاوة على أنّ عملاً كهذا سيهدم الثقة بين المريض والطبيب، ويؤثر بشكل سلبي على المجتمع.
قرار غير عقلاني
ومساندةً منها لقرار النقابة التي أكّدت أيضاً في بيانها أنّها لا تنفي وجود مثل هذه التصرّفات الشاذة وغير المقبولة في قطاع الصحة وفي قطاعات مهنية أخرى، لكنّها ترفض تسويق الرذيلة في شهر رمضان المبارك من خلال برنامج تلفزيوني يستعمل صفة السلك الطبي في استهداف واضح لنبل مكانته وقيمته الاجتماعية والأخلاقية، التي من أساسياتها علاقة الثقة والاحترام، جاء في منشور "أطباء" أيضاً، أنّ الكثير من النجباء اختاروا الطب تأثّراً منهم بالمسلسلات الأمريكية التي تؤثّر رفقة الأفلام بشكل واضح وكبير، على الرأي العام. من جهة أخرى، أعاب بعض الأطباء قرار النقابة الذي وصفوه بغير العقلاني. ففي حين يواجه قطاع الصحة في الجزائر تحديات كبيرة ومشاكل أكبر، تهتمّ النقابة بمشهد في مسلسل؛ أي بعمل خيالي لا غير.
وقال البعض إنّ قطاع الصحة يعاني من مشاكل حقيقية؛ مثل رقاة يزعمون معالجة الأمراض المستعصية بالرقية على المباشر، وحتى بالرقية الجماعية، وكذا من يزعم من خلال فيديو مموَّل، مداواة مريض في المرحلة النهائية للسرطان من خلال "خلطة"، ومن ينتحل شخصية طبيب، ويبيع مكمّلات غذائية مشبوهة، وحتى تلك المراكز الخاصة بـ"العناية الجسدية" ، التي تدّعي علاج كلّ الأمراض المتعلّقة بالعظام، علاوة على وضعية الطبيب العام والمقيم والمختص، ليطالبوا النقابة بمحاربة هؤلاء، وليس بالاهتمام بمشاهد في مسلسل.
مشاهدات مرتفعة وانتقادات هائلة
أثار مسلسل "المهاجر" للمخرج إدريس شنان الذي يُعرض حالياً على قناة "الحياة"، حفيظة عدد من الأطباء الجزائريين إلى حدّ الاستهجان، بفعل ما جاء في سيناريو المسلسل من كتابة منال مسعودي ورضا سيتي 16، والمتعلّق تحديداً بالبطل.. طبيب شاب أخلاقه ليست بالرفيعة. وتصرفاته الطبية مريبة!. وتهاطلت الانتقادات خاصة من طرف الوسط الطبي رغم أنّ مسلسل "المهاجر"، حسب تصريح "القناة" العارضة للعمل، حقّق أرقاماً قياسية في عدد المشاهدات، وأصبح الترند رقم واحد في الجزائر، وهذا وفق معطيات داخلية حصرية من منصة "يوتيوب ستوديو" التابعة لها.
فلِمَ كلّ هذه الجلبة؟! هل لأنّ بطل المسلسل فاروق بوجملين "ريفكا" ، مؤثّر على وسائل التواصل الاجتماعي وليس بخريج معهد الفنون، أم عصاميّ تعلّم بعض أبجديات فن التمثيل في ورشات تكوينية؟ أم لأنّ منتج وكاتب سيناريو العمل رضا سيتي 16، أشرك ابنته بطلة في المسلسل؟ أم لأنّ المسلسل، في حدّ ذاته، قدّم مغالطات في المجال الطبي ؟.
صحيح أنّ المشهد "المعيب" أثار حفيظة العديد من الأطباء، لكن الأخطاء التي صاحبت ممارسة مهنة الطب في العمل، زادت الأمر سوءاً، مثل الطريقة الخاطئة في جسّ نبض المريض، حسبما جاء في بعض صفحات الفيسبوك لأطباء. ومشهد آخر عن مريض في الإنعاش وُضع في فمه خرطوم يشبه المستعمل في آلة الغسيل. كما تم بالمناسبة التنديد بطريقة "التحاق" الأطباء الجزائريين بالسلك الطبي في فرنسا، والتي عُدَّت تحمل الكثير من المغالطات. وفي هذا السياق، ذكرت صفحة "أطباء" أنّك حينما تشاهد المسلسل الأمريكي "دكتور هاوس"، تشعر بالإعجاب من شدّة التركيز على أدقّ التفاصيل في السيناريو، نظراً لاستناد الكاتب على معلومات مستقاة مباشرة من المجال الطبي، وقد يكون الكاتب، في حدّ ذاته، طبيباً، وهو ما لا نراه في هذا المسلسل.
صفحة أخرى متخصّصة في الطب أيضاً، كتبت أنّ اختيار "ريفكا" أداء دور طبيب لم يكن موفّقاً. وقد تم ذلك لإثارة الجدل. كما تحسّر المنشور على عدم التعامل مع القطاع الصحي بحساسية، واحترام. صفحة ثالثة كتبت في منشور لها أنّه من الغريب فعلاً صنع مثل هذه المشاهد دون مراعاة أثرها الاجتماعي، لأنّ اهتزاز الثقة بين الطبيب والمريض ليس أمراً بسيطاً، بل قد ينعكس على تعامل الناس مع العلاج، والقطاع الصحي كاملاً.
تعليق آخر عن منشور كُتب عن المسلسل، جاء فيه أنّ كتابة السيناريو لم تتم بخبرات من الأطباء، ولا مختصين في علم النفس، ولا حتى في علم الاجتماع، فشخصية الطبيب في المجتمع الجزائري غير التي ظهرت في المسلسل؛ فالطبيب هنا ظهر وكأنه يحاول الهجرة بكل ما أوتي من قوة، تاركاً وراءه خطيبته قبل أن يُتم عقد الزواج بها، غير أنّ الطبيب الحقيقي يُدرك تماماً قوانين توظيف الأطباء في فرنسا، والتي لا تتم بشكل عشوائي.. هل المقصود في هذا العمل الطبيب في حد ذاته، أم أنّ اختيار هذه المهنة تحديداً، جاء بشكل عفوي لا غير؟.