مشروع ملتقى الموسيقى الكلاسيكية

مطالب بتوحيد مفاهيم ومناهج تدريس الفن الأندلسي الجزائري

مطالب بتوحيد مفاهيم ومناهج تدريس الفن الأندلسي الجزائري
  • 553
لطيفة داريب  لطيفة داريب 

اتّفق المشاركون في اللقاء المنظّم بمناسبة المهرجان الثقافي الوطني للموسيقى الأندلسية “الصنعة” الذي تجري فعالياته بقصر الثقافة “مفدي زكريا”، على أهمية العمل معا لتوحيد المنهج الموسيقي الذي تتبعه المدارس الأندلسية الجزائرية الثلاث، على أن يتم تنظيم ملتقى كبير حول الموضوع نهاية السنة الجارية.

كما دعا المشاركون في هذه الفعالية إلى أهمية تدوين تراثنا الموسيقي الكلاسيكي وتوحيد المنهج المتّبع في المدارس الثلاث وهي الجزائر العاصمة، قسنطينة وتلمسان حتى يتم التعريف به للأجيال وتدويله، بالإضافة إلى تعزيز التعاون بين جميع الفاعلين في هذا المجال. 

أما المشرف على هذه التظاهرة الأستاذ عبد القادر بن دعماش فكشف عن تنظيم ملتقى وطني حول الموسيقى الكلاسيكية الجزائرية قبل نهاية السنة الجارية. كما دعا المشاركون في هذا اللقاء وحتى الضيوف إلى تسليم ورقاتهم بغية نشر كتاب حول كلّ ما دار في هذا النشاط.

جلسات علمية مكثّفة 

عرفت الجلسة الأولى للقاء الذي نظّم، أوّل أمس، بقصر الثقافة والذي يعدّ مشروعا للملتقى الوطني الكبير الذي سينظم قبل نهاية سنة 2026، حول الموسيقى الكلاسيكية الجزائرية، مشاركة ثلاثة أساتذة وهم  فازيلات ديف ومحمد السعداوي والحاج صالح بوكلي حسان.

البداية مع ديف التي أكّدت وجود مخزون مهمّ من التراث الموسيقي الكلاسيكي بالجزائر، سواء عند الجهات الرسمية مثل وزارة الثقافة والفنون أو حتى عند الخواص، مشيرة إلى أهمية التعرّف عليه وكذا التنعّم بمخرجات كلّ الفعاليات التي نظّمت في هذا الإطار مثل الملتقى الذي جمع بين المختصين في هذا المجال في ديسمبر 1964 والكتاب الذي نشر عام 1971 والندوة التي نظّمت عام 2001. وتابعت أنّ تنظيم ملتقى الموسيقى الكلاسيكية الجزائرية قبل نهاية 2026 لن ينطلق من العدم، بل نملك خزانا تراثيا خاصا بهذا الفن علينا استغلاله وتقديم دراسات تحليلية حوله، مؤكّدة وجود وصلات موسيقية كلاسيكية جزائرية محضة مثل الموشّحات قائلة “تراثنا أندلسي ليس أندلسيا بالكامل فهناك نوتات وقصائد جزائرية محضة مثل الموشّحات”. 

من جهته، أكّد الدكتور محمد السعداوي أهمية التكوين في مجال الموسيقى الكلاسيكية الأندلسية من خلال التخلي عن التعليم الشفهي والاعتماد على التكنولوجيات، مضيفا أنّه يجب البدء مع الأطفال وهو ما يقوم به حاليا على مستوى الجمعيات. وأشار إلى إصداره للجزء الأوّل لكتاب عن آلة القانون في انتظار الصدور الوشيك للجزء الثاني، بغية تدوين هذا التراث وتعليمه للأجيال، قائلا “التدوين ضرورة ونفور الشيوخ منه لاعتقادهم بأنّ الفن هو روح قبل كلّ شيء غير صحيح لأنّ كلّ فنان يقدّم شيئا من روحه وهو مختلف عما يقدّمه زملاؤه، لهذا أطالب بالتدوين وبتكوين الأطفال بالوسائل التي يفهمونها. أيضا لولا التدوين لما وصلتنا الأشعار التي نؤديها اليوم، فهيا للمحافظة على ما تبقى من تراثنا الأندلسي”.

أما الحاج صالح بوكلي حسان فتحدّث في مداخلته عن التسميات المختلفة للفن الموسيقي الأندلسي من تسمية الأندلس فالآلة إلى الصنعة ومن ثم النوبة، مضيفا أنّه في تلمسان يقولون عنه “غرناطة” وهي التسمية التي توحي بالعلاقة المتينة والتاريخية بين عاصمة الزيانيين وغرناطة.

الجلسة العلمية الثانية، ابتدأها الأستاذ محمد بلعربي حول دور الشيوخ في الحفاظ على التراث الموسيقي الكلاسيكي الجزائري وتطويره، فقال إنّه لو لا تضحية هؤلاء الأساتذة وإخلاصهم لما وصل إلينا الفن الأندلسي، مشيرا إلى أنّ المشايخ لعبوا دورا محوريا في نقل التراث الموسيقي مثل الشيخ عبد الرحمن منمش (1820-1891)، كما تمّ العثور على عدّة أسماء من خلال تصفّح كتاب الموسيقار أليكساندر كيستريانو ويتش بعنوان “لمحة تاريخية عن الموسيقى العربية في العصور القديمة” مثل أحمد بن حاج إبراهيم وحمود بن مصطفى. وذكر محافظ مهرجان العروبي بالبليدة أسماء أخرى مثل الشيخ محمد بن علي سفينجة ومحمد بن تفاحي وعبد الرزاق ومحمد فخارجي والشيخ عبد الكريم بن دالي وغيرهم.

أما الدكتور سليم الحصار فقد أكّد وجود وثائق عديدة حول الفن الأندلسي بالجزائر لكن المشكل يكمن في معرفة أصل هذه الوثيقة الذي يحدّد قيمتها، لأنّ العديد منها تعود إلى أصول مختلفة فيصعب على الباحث تحديد الأصحّ منها ومن ثم تحليلها وتوثيقها. وأضاف أنّه لحفظ ذاكرتنا الموسيقية يجب الالتزام بالمصداقية والجديّة والبحث عن أصل كلّ وثيقة وتاريخ ومكان تأليفها، علاوة على أهمية الاستعانة بأكثر من شاهد حول مصداقيتها وفق إجماع محكم حتى ننقل تراثنا الى الأجيال بكلّ تنوّعاته وأصالته.

بدوره، دعا الشيخ يوسف طوايببة إلى الاستعانة بالأرشيف الخاص بالفن الموسيقي الأندلسي الموجود داخل وخارج الجزائر، حتى تتم دراسته بشكل علمي خاصة في زمن الرقمنة. كما طالب بضرورة دعم اللجان المشتغلة حول هذا الموضوع ماليا.

الجلسة العلمية الثالثة والأخيرة للقاء، نشّطها الأساتذة طلال شاكر قاسمي الحسني وحفيظ موتس ومحمد سعيد زروالة. بالمناسبة، قال طلال شاكر قاسمي الحسني إنّ الفن الموسيقي الكلاسيكي الجزائري يفقد أجزاء منه عبر الزمن ومن خلال عملية النقل، مشيرا إلى حدوث تغيّرات في نصوصه بفعل عدّة عوامل وهي الشفهية من خلال وجود علاقة مباشرة بين الشيخ وتلميذه، هذا الأخير ينقل ما حفظه وقد ينسى البعض منه وبعد مرور فترة من الزمن تصبح النسخة المعدلة هي الوثيقة التي يُعتمد عليها.

أما العامل الثاني فيتمثّل في مشكلة تحديد هوية مؤلّفي القصائد، بينما يتحدّد العامل الثالث في مسألة “الكنانيش” أي إعادة كتابة المؤديين للقصائد وقد يخطؤون في بعض الكلمات والأبيات ليصبح أداؤهم أيضا مع مرور الوقت مرجعية تتبع من طرف تلاميذهم. علاوة على وجود أخطاء أيضا يرتكبها من لا يحسن اللغة العربية الفصحى ويكيّف بعض المفردات حسب فهمه أو وفق تناسبها مع النوتات. في حين نجد العامل الخامس وهو المعيار الأخلاقي أي تغيير مفردات القصائد بحجة عدم تناسبها أخلاقيا في زمننا هذا وهو ما يعتبره المتحدّث أكبر خطر أمام مهمة الحفاظ على تراثنا الموسيقي الأندلسي، ليدعو في الأخير إلى ضرورة توحيد مناهج تدريس الفن الأندلسي في الجزائر.

من جهته، طالب الأستاذ حفيظ مواتس بضرورة توحيد المدارس الجزائرية في الفن الأندلسي من خلال تحديد مفهوم النوبة وتنظيم حركاتها، رافضا في الوقت نفسه الإفراط في الممارسة الحرة من طرف بعض الشباب لهذا الفن الكلاسيكي. أما الأستاذ سعيد زروالة فقد حيا الشيوخ الذين حافظوا على هذا التراث الموسيقي والمؤلفات التي نشروها عنه، مشيرا إلى مشاركته عمل مع الشيخ سليم فرقاني ضمّ 40 أسطوانة.

وقدّم الأستاذ في مداخلته هذه عدّة اقتراحات حول الموضوع، من بينها مواصلة العمل في جمع المواد وأرشفتها، ومراجعة المجموعات الموجودة، وكذا استكمال النصوص المكتوبة، بالإضافة الى ترميم أرشيفاتنا ورقمنتها، وإنشاء قاعدة بيانات يمكن الوصول إليها، وتدريس التراث في المدارس ومراكز التكوين المهني وغيرها.