الممثل في المسرح الجزائري

من خصوصية الأداء إلى شراكة الإبداع

من خصوصية الأداء إلى شراكة الإبداع
  • 311
 دليلة مالك دليلة مالك

اِحتضن البرنامج الفكري المصاحب لفعاليات أيام بن قطاف المسرحية بولاية النعامة، أوّل أمس، ملتقى فكريا حول "الممثل في المسرح الجزائري"، تناول خصوصيات الأداء التمثيلي، ومناهجه الفنية، والتحديات التي تواجه الممثل فوق الركح، إلى جانب طبيعة العلاقة الإبداعية التي تجمعه بالمخرج. 

شهد الملتقى تقديم مداخلات علمية للدكتورين لخضر منصوري والحبيب سوالمي، والباحث قدور حمداني، ركّزت على التجربة التمثيلية الجزائرية، وإشكاليات التكوين والأداء، وآفاق الانتقال من سلطة التوجيه الإخراجي إلى شراكة الإبداع، مؤكّدة أهمية تطوير التكوين المسرحي، وتعزيز البحث النقدي، وترسيخ العمل الجماعي، بما يسهم في الارتقاء بفن الممثل، وإثراء الأبعاد الجمالية والفكرية للعرض المسرحي.

صراط بومدين.. مدرسة متفرّدة في الأداء التمثيلي

استعرض الدكتور لخضر منصوري تجربة الممثل الجزائري الراحل صراط بومدين؛ باعتباره أحد أبرز الأسماء التي تركت بصمة راسخة في تاريخ الأداء التمثيلي بالمسرح الجزائري المعاصر. فقد مكّنته موهبته الفطرية ووعيه الفني من تجاوز حدود تجسيد الشخصيات المكتوبة إلى بناء أسلوب أدائي خاص، تَشكّل عبر تجربته المسرحية، وتعاونه مع عدد من المخرجين، وفي مقدّمتهم عبد القادر علولة.

كما امتدّت شهرته إلى التلفزيون من خلال سلسلتي "شعيب لخديم" و«عايش بالهف"، وإلى السينما، ليُتوّج مساره بحصوله على جائزة أحسن أداء تمثيلي في أيام قرطاج المسرحية سنة 1986، مؤكّدًا مكانته ضمن الأسماء البارزة في المشهد المسرحي الجزائري. وتتجلى الخصوصية الجمالية لأداء صراط بومدين في مرونة الجسد، والتلوين الصوتي، والتحكّم في التنفس، والإيقاع الدرامي، فضلًا عن الارتجال الموزون، والقدرة على توظيف اللغة الوهرانية، وموروث الحلقة الشعبية. 

وقد برزت هذه الخصائص بوضوح في تجسيده شخصية جلول فهايمي في مسرحية "الأجواد" لعبد القادر علولة؛ إذ نجح في المزج بين الاندماج في الشخصية الدرامية وتقنيات التغريب المستوحاة من بريشت، مع كسر الجدار الرابع، وإشراك الجمهور في العرض دون الإخلال ببنية النص أو إيقاعه.  ومكّنه هذا التميّز من تجاوز القوالب النمطية للشخصية الكوميدية والشعبية، وإيجاد مساحة يتداخل فيها الهزلي بالتراجيدي، وتلتقي فيها السخرية بالأبعاد الإنسانية العميقة.

وفي أواخر مسيرته سعى صراط بومدين إلى تجديد تجربته من خلال تعاونية "المثلث المفتوح" التي أسّسها مع زميليه بن زيان بلاحة وحمودة بشير. واشتغل ضمنها على مسرحية "التفاح" لعبد القادر علولة، مقدّمًا تصوّرًا أدائيًا مختلفًا، يعكس انفتاحه على التجريب، وتوظيف التراث الشفهي، واللغة اليومية في بناء التعبير المسرحي. 

وإلى جانب تميّزه الفني ظلّ الراحل مثلًا للفنان الملتزم، الذي جعل من المسرح رسالة إنسانية ونضالية، وهو ما تجسّده مواصلته أداء مسرحية "الأجواد" رغم تلقيه خبر وفاة ابنته قبيل العرض في الرباط. وهكذا أبرزت المداخلة تجربة فنية استثنائية، أثبتت أنّ الممثل لا يكتفي بتجسيد الشخصية، بل يوظّف جسده، وصوته، ووعيه الفني لبناء علاقة حية مع الجمهور، وترك أثر جمالي وإنساني يتجاوز حدود الخشبة.

الأداء التمثيلي.. بين المناهج العالمية وإكراهات الركح

من جهته، تناول الدكتور الحبيب سوالمي من جامعة تلمسان، إشكالية الأداء التمثيلي في المسرح الجزائري، من خلال مقاربة تربط بين المرجعيات النظرية التي أرستها مدارس التمثيل العالمية، والتحوّلات الفنية، والظروف المهنية والتكوينية التي تحكم الممارسة المسرحية في الجزائر. وسعت المداخلة إلى استكشاف العلاقة بين قواعد المناهج التمثيلية، بدءًا من منهج ستانيسلافسكي، وصولًا إلى مقاربات ما بعد الدراما، وواقع الركح الجزائري بما يفرضه من تحديات بنيوية واقتصادية وتكوينية انطلاقًا من تساؤل محوري حول كيفية التوفيق بين متطلّبات المناهج التمثيلية وإكراهات الممارسة المسرحية.

واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي مدعومًا بأدوات تحليل الأداء، ودراسة الحالة والمقاربة التاريخية، مع الاستناد إلى الأدبيات النظرية العربية والأجنبية. كما بحثت في الخصوصيات التاريخية والفنية التي ميّزت الأداء التمثيلي في الجزائر، ودور اللغة الدارجة والارتجال والتقاليد الأدائية الشعبية في تشكيل هوية الممثل الجزائري، إلى جانب استجلاء أبرز العوائق التي تحدّ من تطبيق القواعد المنهجية داخل الفضاء الركحي.

وخلصت المداخلة إلى أنّ الأداء التمثيلي في المسرح الجزائري لم يكن انحرافًا عن المناهج العالمية بقدر ما أفرز نموذجًا أدائيا هجينًا وتكيفيا، يجمع بين التكوين المنهجي والخبرة الميدانية. ويعيد توظيف المرجعيات النظرية وفق الخصوصيات اللسانية والثقافية المحلية. وأكّد الباحث أنّ تطوير هذا الأداء يظلّ مرتبطًا بإصلاح منظومة التكوين المسرحي، وتعزيز الممارسة التدريبية، وتحسين البنية التحتية للفضاءات المسرحية، بما يتيح للممثل الجزائري امتلاك أدوات فنية أكثر تنوّعًا وقدرة على الاستجابة للتحوّلات الجمالية والفكرية التي يشهدها المسرح المعاصر.

من سلطة التوجيه إلى شراكة الإبداع

أما الباحث قدور حمداني فتناول طبيعة العلاقة الإبداعية بين المخرج والممثل، مركزًا على التحوّل من نموذج يقوم على سلطة المخرج وتوجيهاته، إلى نموذج تشاركي، يجعل من الطرفين شريكين في بناء العرض وإنتاج دلالاته الجمالية والفكرية. وانطلقت المداخلة من مقاربة تستند إلى المناهج الوصفية التحليلية والإثنوغرافية والأنثروبولوجية، مع الاستفادة من دراسات حديثة في المدارس الكندية والأمريكية والأسترالية، لفهم ديناميكيات العلاقة بين المخرج والممثل داخل فضاء التدريب والبروفات. 

كما ناقشت حدود السلطة الفنية للمخرج، ومدى حرية الممثل في اقتراح الحلول الأدائية، ودور المخرج في تنظيم العملية الإبداعية وتوجيهها دون إلغاء المبادرة الفردية، مستحضرة نماذج من التجربة المسرحية الجزائرية، ولا سيما تجربة عبد القادر علولة، القائمة على التفاعل الجماعي، والاستفادة من التنوع الثقافي واللغوي للممثلين. وسلّطت المداخلة الضوء على أبعاد سلطة المخرج، التي تشمل الجوانب الرمزية والمعرفية والتواصلية والتنظيمية والجمالية، مؤكّدة أنّ هذه السلطة لا تعني بالضرورة الممارسة التسلّطية، بل يمكن أن تتحوّل إلى أداة لتنظيم الطاقات الإبداعية، وتطوير الأداء. 

وفي المقابل، أبرزت دور الممثل بوصفه شريكًا فاعلًا يمتلك معرفة جسدية وحسية وانفعالية، تسهم في بناء الشخصية، وتطوير العلاقات بين الممثلين، واقتراح الحلول الحركية والصوتية، وضبط الإيقاع الدرامي، وإثراء الحمولات الرمزية والثقافية للنص. كما عدَّت البروفات مختبرًا إبداعيا تتشكّل داخله الرؤى، وتتفاعل فيه الاختلافات الفردية والثقافية من خلال الحوار، والتجريب، والارتجال، وتبادل الملاحظات بما يسمح بالانتقال من تنفيذ التعليمات إلى المشاركة في صياغة التصور الفني للعرض.

وتوقّفت المداخلة كذلك عند أهمية الدراسات الإثنوغرافية في فهم الممارسة المسرحية من داخل فضاء التدريب، من خلال الملاحظة المباشرة، وتوثيق مراحل الإنتاج، وتحليل المسودات والنصوص والمراسلات والمخططات والوثائق المرتبطة بتطوّر العرض، ضمن ما يُعرف بمقاربة التكوين الوراثي للعرض المسرحي. كما استحضرت أطروحات البحث في الإبداع الجماعي والتعاون المسرحي، التي ترى أنّ جودة الأداء لا ترتبط بالموهبة الفردية وحدها، بل تتشكّل أيضًا من خلال التدريب، والتفاعل الجماعي، والسياق الثقافي والمهني.

وخلصت المداخلة إلى أنّ بناء عرض مسرحي متكامل يقتضي إقامة علاقة متوازنة بين التوجيه الإخراجي والمبادرة التمثيلية، قوامها الحوار، والثقة والتكامل، بما يجعل الإبداع المسرحي حصيلة تفاوض مستمر بين الرؤية الفردية والعمل الجماعي، ويمنح المخرج والممثل دورًا متكاملًا في إنتاج المعنى، وتحقيق الأثر الجمالي للعرض المسرحي.

* مبعوثة "المساء" إلى النعامة: دليلة مالك