المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية "آسيا جبار" بتيبازة

منارة علم وملاذ الباحثين والطلاب في عصر التحوّل الرقمي

منارة علم وملاذ الباحثين والطلاب في عصر التحوّل الرقمي
  • 162
  كمال لحياني كمال لحياني

في عصر حكم على الكتاب الورقي بالتراجع أمام طوفان الرقمنة، تبرز المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية "آسيا جبار" بتيبازة، كنموذج استثنائي للمكتبة المعاصرة، التي لم تكتفِ بحفظ الكتب على رفوفها، بل تحوّلت إلى مركز إشعاع ثقافي ومجتمعي نابض بالحياة. ففي قلب مدينة تيبازة وبالضبط بالحي الإداري، يقع صرح ثقافي وعلمي هام، إنها المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية التي تحمل اسم الأديبة الجزائرية العالمية "آسيا جبار"، منذ افتتاحها عام 2012. لم تكتفِ المكتبة بدورها التقليدي كحافظ للكتب، بل تحوّلت إلى مركز إشعاع ثقافي، باحتضانها نشاطات علمية، وفعاليات، ومهرجانات وطنية نوعية.

افتتحت المكتبة أبوابها في 2012. وفي 16 أفريل 2018 تم تسميتها على الكاتبة الراحلة آسيا جبار؛ تكريما لإرثها الأدبي والفكري؛ حيث يديرها فريق شاب ومتفان بقيادة المديرة سعاد صكاوي؛ لجعل هذا المكان قِبلة لعشّاق المعرفة؛ فهي تفتح أبوابها إلى غاية العاشرة ليلا في المواسم العادية. ويمتدّ نشاطها إلى منتصف الليل في فصل الصيف. وتختلف هذه المكتبة عن المكتبات الجامعية أو المدرسية؛ فهي “مكتبة مطالعة عمومية” لكلّ أفراد المجتمع بغض النظر عن أعمارهم أو مستواهم الاجتماعي، وهو ما يتماشى مع بيان اليونسكو لسنة 1994، الذي يحدّد رسالة هذه المكتبات في تعزيز القراءة للجميع.

مؤشّرات على الحيوية

تُعدّ الأرقام خير دليل على نجاح المكتبة في جذب الجمهور، وترسيخ ثقافة القراءة، حيث كشفت مديرة المكتبة سعاد صكاوي في حديث خصت به "المساء"، عن أنّ المكتبة تحتوي على رصيد هائل يقدّر بـ 64 ألف نسخة، وهو ما يعادل 26 ألف عنوان. ويتم تجديدها باستمرار لمواكبة كلّ جديد في مختلف التخصّصات. كما تم التبرع خلال السنوات الأخيرة بـ23 ألف كتاب لصالح المكتبة، مضيفة أنّها تسجّل إقبالا يوميا يتراوح بين 140 و300 شخص خاصة خلال العطل المدرسية، حيث تتحوّل إلى فضاء حيوي مليء بالحركة والنشاط.

وأوضحت أنّ المكتبة عرفت تسجيل ما يفوق 2500 منخرط خلال السنوات الخمس الماضية، موزّعين بين الأطفال، والطلبة، والموظفين والأساتذة الباحثين. ونجح إطارات المكتبة في رفع عدد الكتب المعارة للقراء بفضل التسهيلات المقدمة، حيث يصل عدد الكتب المستعارة يوميا، إلى حوالي 135 كتاب. وفي فترة الامتحانات ترتفع الى 185 يوميا، حيث يحقّ لكلّ منخرط استعارة 5 كتب لمدة تتراوح بين 15 و21 يوما.

خدمات ونشاطات نوعية

لم تبق المكتبة حبيسة الرفوف والكتب، بل طوّرت خدماتها لتشمل فضاءات متخصّصة، حيث توفّر المكتبة فضاءات منفصلة للفئات العمرية الثلاث الأطفال (أقل من 6 سنوات)، والناشئة (6 إلى 14 سنة)، والكبار (15 سنة فما فوق)؛ ما يضمن بيئة هادئة ومريحة للجميع، إضافة إلى خدمة الإنترنت والتكنولوجيا؛ تماشيا مع عصر التحوّل الرقمي، إذ توفّر المكتبة فضاء للإنترنت إلى جانب خدمة البحث الآلي في فهرس المكتبة. وقد تناولت دراسات أكاديمية دور المكتبة في تعزيز التحوّل الرقمي، والحفاظ على التراث الثقافي .

وتنظّم المكتبة لقاءات شهرية لنادي القرّاء، تستضيف خلالها مؤلّفين جزائريين، إضافة إلى ورشات في الرسم، والمسرح، والأشغال اليدوية، وكذا عروض أفلام وثائقية؛ بهدف جعل الكتاب رفيقا للزائر. كما يتم تنظيم المهرجان السنوي "القراءة في احتفال"، إضافة إلى ملتقيات بالتنسيق مع الجامعة، وحصص مراجعة جماعية خلال فترة امتحانات البكالوريا وشهادة التعليم المتوسط، وفتح الفضاءات الموجودة بالمكتبة للمواهب الأدبية تحت شعار "أقلام تيبازة"؛ لعرض الأعمال الأدبية. كما يتم تنظيم ندوات وحصص خاصة للتعريف بتاريخ المنطقة.

"المكتبة خارج الجدران".. للوصول إلى الجميع

إيماناً منها بأنّ القراءة حقّ للجميع، أطلقت المكتبة برنامجا طموحا يُعرف بـ "المكتبة خارج الجدران" أو المكتبة المتنقلة. وهو برنامج يتجوّل في القرى والمناطق النائية والجبلية في الولاية مثل "تافساسين" و"بوحريز" و"بني ميلك"و"أغبال"، حاملة معها الكتب، والقصص، والأنشطة الترفيهية للأطفال الذين لا تتوفّر لديهم نفس الفرص. وتستقبل هذه القوافل في كلّ مرة بحفاوة بالغة.

وبفضل الاتّفاقيات المبرمة مع بعض الهيئات، يتم التنقّل أيضا إلى المدارس والروضات، وتنظيم نشاطات في الساحات العمومية بالتنسيق مع الجمعيات الثقافية. كما تمتدّ خدمات المكتبة لتشمل فئة السجناء عبر اتفاقية مع وزارة العدل، حيث يتم تزويد مراكز إعادة التأهيل بالكتب، وتنظيم زيارات ولقاءات مع النزلاء.

التحوّل الرقمي.. من الورق إلى الشاشة

انسجاما مع متطلبات عصر الرقمنة، واجهت المكتبة تحديا كبيرا، وهو "كيف تنتقل من طابعها التقليدي إلى مركز إشعاع علمي وثقافي رقمي؟". وقد واكبت هذا التحدي عبر فضاء إنترنت مجهّز بـحواسيب متطورة، بتأطير من تقنيين متخصّصين لمساعدة الروّاد، وتسخير نظام بحث آلي في فهرس المكتبة، يسهل الوصول إلى المقتنيات. كما تم اعتماد تقنية التسجيل عن بعد، بملء استمارة للحصول على البطاقة الرقمية، والبحث البيبيوغرافي الآلي، وطلب للمشاركة في الأنشطة العلمية والثقافية عن بعد، وطلب تمديد فترة الإعارة عن بعد.

كما يتم تقديم اقتراحات وشكاوى عن بعد؛ لترقية الخدمات داخل المكتبة، واقتناء الكتب التي يكثر عليها الطلب. وتهدف هذه الخدمات الرقمية، حسب السيدة صكاوي إلى تعزيز التراث الثقافي غير المادي، وحفظه، وتثمينه في العصر الرقمي. كما تجدر الإشارة الى أنّ هذا التحوّل كان محور دراسة أكاديمية قام بها بلحاج الزين وعبد الهادي وفلاق حمزة سنة 2024 بعنوان "الدور النشط الذي تضطلع به المكتبة في تعزيز سبل الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي في ضوء التطورات التكنولوجية للتحول الرقمي".

وفي عصر تتسارع فيه وتيرة التحوّل الرقمي تظلّ المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية “آسيا جبار” بتيبازة، أكثر من مجرد مكان لتخزين الكتب، بل إنّها مدرسة لتعلّم حبّ القراءة، ومنارة للعلم، وملتقى ثقافي مفتوح للجميع، تثبت أنّ "الكتاب لم يقل كلمته الأخيرة" بعد، بل سيظلّ صديقاً حميماً للأجيال القادمة، وهذا ما فعلته "آسيا جبار" بامتياز.