وثائقي "شيخ الصحافة الجزائرية إبراهيم أبو اليقظان"
مناضل جابه المشروع الاستعماري ورافق النهضة
- 305
مريم. ن
احتضن قصر الثقافة "مفدي زكريا"، أول أمس، العرض الشرفي للفيلم الوثائقي "شيخ الصحافة الجزائرية إبراهيم أبو اليقظان"، للمخرج سفيان حفار، ومن إنتاج "مؤسسة الشيخ أبي اليقظان الثقافية"، تناول خلال 60 دقيقة، مسار هذا المناضل والشاعر والمصلح الذي جابه المشروع الاستعماري الفرنسي، الذي حاول طمس هوية الأمة الجزائرية، كما تم بالمناسبة، التنازل عن حقوق البث لمؤسسة التلفزيون الجزائري.
سلط الفيلم الضوء على محطات كبرى من حياة هذا العلامة (1888 -1973)، الذي يعتبر من رواد الحركة الإصلاحية في الجزائر، منذ مطلع القرن 20، حيث كافح من أجل نشر الوعي وطمس الدعاية الاستعمارية.
شارك في الفيلم، العديد من الأساتذة والمؤرخين من داخل وخارج الجزائر، وكذا بعض الذين عرفوا الشيخ أبي اليقظان، وقد استهل الفيلم بعرض بعض من طفولة الشيخ، حيث عاش اليتم وهو لم يتجاوز السنتين من عمره، ناهيك عن الحياة القاسية التي ليس بها أدنى متطلبات الحياة، لكنه استطاع رغم تلك الظروف البائسة، أن يبرز نجمه في العلم، ليلتحق بعدها بتونس في سنة 2012، لمواصلة تعليمه بالزيتونة، ثم بالمدرسة الخلدونية، ويتتلمذ عند أكبر الشيوخ، منهم الطاهر بن عاشور، ثم ترأس البعثة الجزائرية لتونس في سنة 2014.
رحلة العلم والنضال
عاد الشيخ إلى الجزائر حاملا تجربته لوادي ميزاب، وبالتالي شرع في الإشراف على التعليم والعمل الإصلاحي في زمن، كان فيه الشعب الجزائري يئن تحت وطأة الجهل، أما التعليم المتوفر حين ذاك من المستعمر، فكان ملغما بعيدا عن مقومات الشخصية الجزائرية، كما ساهم الشيخ أيضا في بروز الجمعيات الثقافية. أشار بعض المتدخلين في الفيلم، إلى أن الشيخ خاض أيضا تجربة سياسية وثقافية في تونس، خاصة مع الحزب الدستوري التونسي، زيادة على علاقته الوطيدة مع عبد العزيز الثعالبي. أما بالنسبة لنشاطه الصحفي، فبدأه في العشرينيات، وكانت جرائده غالبا ما تصادرها السلطات الفرنسية ومن جرائده "وادي ميزاب"، وكان يحررها في الجزائر ويطبعها في تونس، وفي بداية الثلاثينيات، أصدر "الميزان"، ثم "المغرب"، علما أنه أحيانا، كان يكتب دون توقيع، تجنبا لمضايقات السلطات الاستعمارية، فقد كان في كل مرة يتعرض للتحقيق، ثم أصدر "النور"، ثم "الأمة"، وصولا إلى آخر جريدة أطلقها وهي "الفرقان".
من جهة أخرى، افتتح الشيخ مطبعته الخاصة سنة 1931، وهي "المطبعة العربية"، ويقع مقرها بالجزائر العاصمة، واستمرت إلى غاية الاستقلال، ورغم الديون، إلا أنها كانت سلاح الشيخ أبي اليقظان في مقارعة فرنسا، من خلال الجرائد الثمانية التي كان يحررها، يطبعها، يصدرها ويوزعها، كما كانت قناة لنشر العديد من جرائد ومنشورات رجال الإصلاح وأعلام السياسة والفكر بالجزائر، كجريدة "البصائر"، علما أن الشيخ كان صديقا للعلامة ابن باديس، وكذلك جريدة "المرصاد" وجريدة "الثبات" ومجلة "التلميذ" لسان حال الطلبة المسلمين الجزائريين، جريدة "الحياة" لمفدي زكريا وجريدة "المنار"، بالإضافة إلى نشرها لكتب كثيرة -كما قال الشيخ صاري ابن كبير العمال ومسير المطبعة -منها كتاب "الجزائر ـ محمد عثمان باشا ـ" لأحمد توفيق المدني، و"تاريخ الجزائر العام" للشيخ عبد الرحمن الجيلالي، و"مقاصد القرآن للأستاذ محمد الصالح الصديق"، ومسرحية "بلال" للشاعر محمد العيد آل خليفة، كما كانت تطبع بعض منشورات جمعيات وطنية وأحزاب سياسية (الكشافة وحزب الشعب) من النضال السياسي للحركة الوطنية، وغالبا ما كانت سرية، ناهيك عن آلاف المراسلات مع شخصيات وازنة من داخل وخارج الجزائر، منها شكيب أرسلان والباروني.
تضمن الفيلم، مشاهد تمثيلية، مع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، علما أن التصوير جرى في غرداية ومدن أخرى، وكذا بخارج الجزائر، كتونس وعمان، مع تدخل 20 شخصية علمية بارزة.
مواقف تاريخية قابلة لكل زمان ومكان
من ضمن ما جاء في شهادات المتدخلين، هو الحرب الشرسة التي خاضها الشيخ ضد الجهوية، والتعصب المذهبي، داعيا إلى عدم تشتيت شمل الجزائريين وانتهاك حرمة الإسلام، فيما شهد المتدخلون من سلطنة عمان، دور الشيخ في التأسيس للصحافة المكتوبة في بلادهم، وكذا التواصل معهم في الجانب الثقافي الفكري والتربوي.
شهد من عرفوه بأخلاق الشيخ، وبأنه كان خفيف الظل، ثقيل العقل، علما أن ابن باديس مدحه كثيرا، زيادة على شجاعته وجرأته وثباته، خاصة وأنه فقد 13 من أبنائه.
فور انتهاء العرض، تم التوقيع على بروتوكول التنازل عن حقوق بث الفيلم للتلفزيون الجزائري، أمضاه السيدان زين الدين بوعشة مدير قناة "المعرفة"، وسعيد حمدي ممثل مؤسسة أبو اليقظان، ثم انطلقت تكريمات بعض المشاركين، منهم أبو بكر عمر الذي أدى الدور الرئيس في الفيلم.
المحن تصنع الرجال والمشاريع الكبرى
بعدها، أقيمت ندوة فكرية نشطها حسن ناصر بوحجام، بعنوان "توثيق للسيرة وتأملات للمسار"، شارك فيها الدكتور عبد الرزاق قسوم، الذي قال إنه عرف الشيخ سنة 1971، وانبهر به وأجرى معه حديثين بمجلة "الأصالة"، في حين تناول الدكتور أرزقي فراد بعضا من تراث الشيخ، معبرا عن إعجابه بالفيلم، وداعيا لاستغلال فكره وخطاباته عن اللحمة الوطنية الحقة، التي تتلاءم وبلادنا القارة ذات التنوع، الذي يثبت أركانه التكامل، فاللحمة الوطنية ـ كما يضيف- ضرورية في زماننا الملوث بخطاب الكراهية، بسبب البعد عن المنهاج القرآني، مقترحا بالمناسبة، إدراج نصوصه في كلية الإعلام.
أما الدكتور محمد ناصر بوحجام، رئيس جمعية تراث، فتوقف عند جهاد الشيخ، مستحضرا كتاباته، منها "الألم يحرك العزائم"، الذي كتبها عن نكبة دمشق سنة 26، ومواقفه من قضية فلسطين، وكذا شلله سنة 57، عند اعتقال ابنه عيسى، ليتفرغ بعدها للتأليف (60 مؤلف) مع كاتبه الخاص أحمد فرسوس.