أصوات من القارة السمراء في مهرجان الجزائر
نقاشات أكاديمية لاستعادة ذاكرة إفريقيا المسرحية
- 152
آية توازي
شهد المسرح الوطني الجزائري "محي الدين بشطارزي"، أوّل أمس، تظاهرة فكرية وفنية استثنائية ضمن فعاليات مهرجان الجزائر الدولي للمسرح الإفريقي الجامعي، الذي تحوّل إلى رحلة عميقة في ذاكرة القارة السمراء، ووضع قضايا التوثيق والهوية تحت مجهر النقد والجماليات في آن واحد.
افتتح الدكتور العيد جلولي من جامعة ورقلة المداخلات بصرخة أكاديمية، محذّراً من حالة التشتّت التي يعاني منها مسرح الطفل في إفريقيا، مؤكّداً أنّ ضعف التأطير الأكاديمي يفرض ضرورة مُلحة لبناء منظومة مهنية متكاملة، وأكّد أنّ مستقبل مسرح الطفل مرهون بالقدرة على تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة.
في سياق متّصل، حذّر الأستاذ إدريس قرقوة مدير مخبر النص المسرحي بجامعة سيدي بلعباس، من ضياع الذاكرة المسرحية سواء في الجزائر أو إفريقيا، مؤكّدا أنّ الأرشيف هو مخزن كينونة الأمم، كما شدّد على أهمية دراسة علاقة المسرح بالتاريخ والمجتمع، وقد دعا في ختام مداخلته إلى تأسيس متحف وطني للمسرح وأكاديميات متخصّصة لحفظ النصوص والشهادات الحية، كخطوة أساسية لحماية التراث الفني من محاولات السرقة التاريخية.
في رحلة البحث عن جماليات الجسد والإيقاع، أبحرت الأستاذة أمينة لقرون بالحضور في تجربة المخرج جهيد دين الهناني ومسرحيته "اللهب"، موضّحةً كيف نجح في تحويل موروث "الديوان" بإيقاعاته التاريخية المرتبطة بالذاكرة الإفريقية إلى أداة درامية بليغة، كما أشارت الأستاذة إلى أنّ موروث الديوان نشأ في شمال إفريقيا وارتبط بتجارة الرقيق والتهجير عبر الصحراء الكبرى، موضّحة كيف كان إيقاع السلاسل الحديدية التي كان يرتديها العبيد أصلا تاريخيا وروحيا لآلة "القراقب"، كما تناولت المكوّنات الأساسية للديوان في المسرحية مثل الآلات الموسيقية التي أدمجت الجمهور في طقس مسرحي تطهيري يتجاوز حدود الفرجة التقليدية.
في الشأن نفسه، شكّلت مداخلة الدكتور قدور حمداني علامة فارقة حيث انحاز فيها إلى تفكيك الطقوس بوصفها ركيزة للهوية موجّها بوصلة النقاش نحو ضرورة استعادة الجذور كمدخل أساسي لفهم جماليات المسرح في القارة السمراء، حيث قدّم قراءة معمّقة في تراث "أهليل قورارة" الجزائري المصنّف عالمياً، كما فصّل الدكتور في مداخلته، بنية الطقس "ثلاثية الأبعاد" التي تعتمد على التداخل الموسيقي والجسد وإلقاء الشعر، حيث تمتدّ الممارسة من غروب الشمس حتى الفجر ولا يكتمل هذا المشهد دون "الرموز البصرية" التي تعيد صياغة العلاقة بين الجسد والفضاء، مشدّداً على أنّ هذا التراث لا يمكن اختزاله في مجرّد أهازيج، بل هو "مشهد سمعي" متكامل يعتمد على تداخل الموسيقى والجسد والشعر، ويحمل في طياته أبعاداً كونية تعكس عمق الهوية الصحراوية الجزائرية.
من منظور جمالي وإخراجي، قدّمت الدكتورة سميرة بشير رؤية نقدية حول وظيفة القناع في عروض "الإيغونغون" النيجيرية، حيث أكّدت أنّ القناع في الثقافة التقليدية يتجاوز كونه زيّاً، ليتحوّل إلى أداة إخراجية جوهرية قادرة على نقل جسد الممثل من حالته اليومية إلى "الحضور الأسلافي"، ما يفرض نمطاً مغايراً من التلقي يربط بين العالم المادي والغيبي، كما يعرف القناع في الديانة اليوروبية التقليدية الذي يطلق عليه اسم "أين أورون" حيث يمثّل العالم الملموس وعالم الغيب غير المرئي الذي تقيم فيه الأسلاف والآلهة.
مع تواصل المداخلات نقل الدكتور عبد الكريم شنبي، عميد كلية الآداب بجامعة عنابة، الحضور، إلى زاوية إبداعية مغايرة عبر استعراضه لكيفية تحوّل صورة الزعيم "باتريس لومومبا" من أيقونة للمشجّعين في ملاعب كرة القدم إلى شخصية مسرحية ملهمة، تجسّد معاناة الشعوب وإرادتها في الحفاظ على هويتها، لتصبح تلك الأفعال العفوية وثيقة درامية تقاوم الطمس. كما أوضح أنّ المسرحية لا تعتمد على السيناريو المكتوب فقط بل تعتمد على الفرق الجامعية المسرحية وتحاكي الزعيم "باتريس لومومبا" كنموذج للمسرح الدرامي، كما أشار إلى تأثير هذا المشهد وانتقاله من الملاعب إلى مواقع التواصل الاجتماعي وكيف أثار تفاعلا كبيرا.
وفي مداخلة الأستاذ عبده الزراع نائب رئيس اتحاد كتّاب مصر، تناول "جدلية الفن والمعرفة في المسرح المصري"، مؤكّداً أنّ أعظم النصوص المسرحية لم تكن وليدة أبراج عاجية، بل نتاج ممارسة ميدانية انصهر فيها المؤلّف مع الممثل منذ كتابة النص وصولا إلى عرضها على الجمهور، مشدّداً على أنّ العمل الجماعي هو الخيار الاستراتيجي الأنجح لكلّ التجارب المسرحية الطامحة للريادة، كما أضاف قائلا إنّ العلاقة بين الفن والمعرفة في المسرح المصري هي علاقة جدلية قائمة على التبادل والتفاعل المستمرين وبذلك لا يمكن النظر إلى العرض المسرحي بوصفه مجرّد ممارسة فنية منفصلة عن البعد.
وقد أختتم الملتقى بمجموعة من التوصيات الاستراتيجية التي تهدف إلى ترسيخ المسرح الجامعي كفضاء حيوي للإبداع والبحث العلمي من خلال جعله حدثا دوريا ضمن فعاليات مهرجان الجزائر الدولي للمسرح الإفريقي الجامعي، وقد دعت التوصيات إلى تدوين التراث لدعم مشاريع الترجمة من وإلى اللغات الإفريقية، مع ضرورة تشجيع الأطروحات العلمية التي تتناول المسرح الإفريقي من زوايا مبتكرة.