"ندوب أم الخير المتمردة" لمحمود شعبان بمكتبة "الاجتهاد"

وقائع من زمن الفداء وتحية للجزائرية

وقائع من زمن الفداء وتحية للجزائرية
الكاتب محمود شعبان
  • 428
مريم. ن مريم. ن

قدّم الكاتب محمود شعبان، أوّل أمس، بمكتبة "الاجتهاد" بالعاصمة، مؤلَّفه الجديد الذي يحمل عنوان "ندوب أم الخير المتمردة". وهو عرفان منه بالمرأة الجزائرية المكافحة، التي أعطت بسخاء. ورغم ذلك فضّلت الوقوف بعيدا عن الأضواء.

استهل الكاتب تدخّله بسرد الأوضاع المزرية التي عاشتها الجزائر سنة 1962 نتيجة الإرث الثقيل الذي تركه المستعمر؛ من فقر، وجهل، ومرض وتدمير شامل، جعل الجزائريين يواجهون هذا المصير بقوّة وتحدّ. وقال: "كنت سأكون واحدا من ضحايا الجهل والأمية كباقي الجزائريين لولا أنّ فجر الاستقلال أطلّ، فدخلت المدرسة، ونجوت، وأصبحت بفضل تضحيات الشهداء والمجاهدين، إطارا".

الاستقلال بتركة ثقيلة

استعرض الكاتب قوّة وعزيمة الشباب في السنوات الأولى للاستقلال؛ من ذلك عمليات التشجير لتعويض ما أحرقه النابالم في الثورة حين قصف القرى والغابات، وكذا تنقّل هؤلاء الشباب إلى الجبال والقرى المعزولة لتقديم خدماتهم للفلاحين والقرويين، ومساعدتهم في الحصول على الخدمات الاجتماعية، والصحية، وكذا الحق في التعليم. 

وأكّد المتحدّث أنّ معدّل أعمار الجزائريين حينها كان منخفضا في عمومه، قد يصل إلى 40 سنة بالنسبة للرجال، و38 سنة للنساء وهذا، حسبه، من فرط البؤس، ونقص الرعاية الصحية التي كان الجزائريون محرومين منها، ممثلا بأمه ـ رحمها الله ـ التي توفيت في سن 40، وكلّ تلك الظروف المأساوية لشعبنا، لا يجب ـ كما أضاف ـ أن تُنسى على امتداد الأجيال التي قد تسلب أو تنبهر بما يقدّمه استعمار الأمس، أو الغرب عموما، وذلك على حساب قيم مجتمعنا الجزائري الأصيل الضارب في عمق التاريخ، والذي استطاع بالدليل، أن يتصدى للمسخ، والجوع، والمجازر وغيرها من الجرائم طيلة 132 سنة، وكل ذلك بفضل ما يملكه من هوية، وقيم وخصوصية.

وتحدّث الأستاذ شعبان، أيضا، عن الثورة التحريرية، مؤكّدا أنّ قاعدتها كانت من عموم الفلاحين والقرويين البسطاء الذين احتضنوها، وتجرّعوا الويلات، متوقّفا عند دور المرأة التي قاومت وشربت المر، ولم تستسلم يوما، وظلت على العهد حتى بعد الاستقلال، محافظة على الذاكرة وعلى الهوية، بل تصدت حتى لمخططات مشبوهة، ولإيديولوجيات رجعية قاتلة حاولت النيل من حريتها، وظلّت الحضن لصون التراث، ونقله للأبناء سواء في الريف، أو في المدينة.

أم الخير.. نموذج للمرأة الجزائرية

قال الكاتب إن هذا المؤلَّف هو عرفان للجزائرية حيثما كانت. وكان النموذج هو السيدة أم الخير (الاسم الحركي)، وهي قروية بسيطة، عاشت ظلم المستعمر، وتجرّعت الفقر والجهل، لكنّها فضّلت الكرامة على المال؛ أي أنّها رفضت الزواج من ابن القايد الغنيّ، وفضّلت الصعود للجهاد في الجبل. ثم تكوّنت، وأصبحت تداوي الجرحى من المجاهدين. وواصلت مهمتها حتى النصر. وبعد الاستقلال ابتعدت عن الأضواء. وظلت تلك المرأة البسيطة. ولم تنل أيّ امتيازات مادية رغم أنّها أرملة شهيد، ورغم مساعي بعض كبار المسؤولين لإنصافها، لم تنل حقوقها. وعن الأحداث قال الكاتب إنّه استمد وقائعها الحقيقية من ذاكرة المجاهدة؛ حرصا ونضالا منه على محاربة النسيان، حاثا الجميع على تسجيل مثل هذه الذكريات؛ لأنها واجب.

ويتضمن الكتاب قصة أم الخير المجاهدة التي لم تكن تحكي ما قامت به في الثورة. وذات مرة كانت تجلس في المقبرة بكلّ هدوء، وكانت كعادتها تخجل وهي تحدّث شخصا غريبا، بفعل القيم التي تربت عليها. فاقتربت منها الصحفية حورية، ودفعتها للحديث عن ذلك الماضي في القرية، وفي الجبل، وكيف انخرطت في النظام. وشكر الكاتب، بالمناسبة، البروفيسور خليل عبد القادر الذي ساعده على إنجاز الكتاب. وكتب مقدمته التي أثنت على بطولة المرأة الجزائرية، سواء أم الخير، أو بطلات أخريات منهن جميلة بوحيرد، وبوباشا، وبوعزة، وحسيبة، وفاطمة نسومر، ودعا لتعزيز ذاكرتهن التي غطتها أنانية المجتمع الذكوري.

للإشارة، شهدت المناقشة عدّة تدخلات من الحضور، كان منهم البروفيسور فؤاد سوفي، وكذا البروفيسور خليل عبد القادر، الذي أكّد أنّه يتقاسم نفس رؤى صديقه الكاتب محمود شعبان، الذي كتب كثيرا عن الثورة. كما دعا الكاتب بالمناسبة، المرأة إلى فرض وجودها في المجتمع بالعلم والعمل، والمطالبة بحقوقها كاملة، منوها بنضال الشعب الفلسطيني الذي وصف مقاومته؛ وكأنها امتداد آخر للثورة الجزائرية في عدالة قضيتها، وحقها في الانتصار. الكاتب محمود شعبان ابن قروي فقير لا يملك أرضا، كما قال (بمنطقة القبائل). عمل مهندسا زراعيا. وتقلّد عدة مناصب ومسؤوليات مهمة. ونشط في مجال مخططات التنمية الزراعية، وعالم الريف. وله العديد من المقالات المنشورة، خاصة في موضوع الأمن الغذائي.