قاضي مجلس المحاسبة عبد الرؤوف بوخالفة لـ "المساء":
إلغاء الامتياز القضائي كرس مساواة الجزائريين أمام العدالة

- 1005

أكد عبد الرؤوف بوخالفة، القاضي بمجلس المحاسبة، أن إلغاء الامتياز القضائي الخاص بمتابعة كبار المسؤولين في الدولة أمام العدالة، جاء ليجسد أهم مطالب الحراك الشعبي لـ"بناء دولة القانون والعدالة الاجتماعية ومساواة الجميع أمام القانون" ويعزز رغبة السلطات الجزائرية في محاربة الفساد بمختلف أشكاله.
وقال بوخالفة العضو أيضا في نقابة القضاة بمجلس المحاسبة في تصريح لـ"المساء" أن تعديل المادة 573 من قانون الاجراءات الجزائية لم يلغ الامتياز القضائي نهائيا ولكنه أبقى عليه بشكل جزئي، ضمن حالات حصرها الأمر الرئاسي في الفقرة الثانية المتضمنة في نص التعديل التي أكدت أنه "إذا كان وكيل الجمهورية لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي قد أبدى التماسه للمطالبة بملف الاجراءات خلال مرحلة التحريات الاولية أو مرحلة المتابعة كما هو معمول به في المادة 211 مكرر 7 أعلاه".
وتم إنشاء هذا القطب سنة 2004، وهو متخصص في محاربة جرائم الفساد والجريمة المنظمة قبل أن يقوم المجلس الدستوري بإلغائه سنة بعد ذلك لـ"عدم دستوريته" ثم أعيد بعثه من جديد سنة 2006.
واعتبر القاضي بوخالفة أن الإلغاء الجزئي للامتياز القضائي، عن "أعضاء الحكومة وقضاة المحكمة العليا ومجلس الدولة ومحكمة التنازع والولاة ورؤوساء المجالس القضائية ورؤوساء المحاكم الإدارية والنواب العامين لدى المجالس القضائية ومحافظي الدولة لدى المحاكم الإدارية التي نصت عليها الفقرة الثانية من هذه المادة "جاء أيضا في سياق رغبة الجزائر لتكييف قوانينها مع مضمون اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الموقعة سنة 2003، حيث كانت الجزائر من أوائل الدول التي صادقت عليها في 19 أفريل 2004.
وأكد رؤوف بوخالفة، أن الدول الموقعة على هذه المعاهدة مطالبة باتخاذ الإجراءات الاختيارية المنصوص عليها في المادتين 345 و346 بخصوص الامتياز القضائي، أنه يمكنهم الأخذ بما قد يلزم من تدابير لإبقاء توازن مناسب بين الحصانة والامتياز القضائي لصالح موظفيها العموميين، من أجل أداء وظائفهم وإمكانية القيام عند الضرورة بعمليات تحقيق وملاحقة ومقاضاة بسبب الأفعال المجرمة".
وعلى اعتبار أن التدبير اختياري فقد اعتبر القاضي عبد الرؤوف بوخالفة، أن تخلي الجزائر عن الامتياز القضائي يعكس نوع من "حسن نية لدى السلطات العمومية ورغبتها في مكافحة الفساد ومضيها في تكريس دولة العدالة والمساواة، وأن جميع المواطنين يخضعون للقانون بصورة متساوية ودون تمييز بسبب الصفة الرسمية وهو ما نصت عليه المادة 27 من قانون محكمة الجنايات الدولية".
وأضاف أن من بين إيجابيات هذا التعديل أنه يضفي فعالية اكبر في مجال مكافحة الفساد والوقاية منه مستقبلا، حتى وإن كان الامتياز القضائي يبقى عملية إجرائية فقط، ولا يترتب عنه إلغاء المتابعة الجنائية الحقيقية كما أنه لا يضمن حماية مطلقة للأشخاص المستفيدين منه، وإنما يحيل متابعتهم على قضاة المحكمة العليا بحكم تجربتهم العالية في هذا المجال.
وقال القاضي بوخالفة بخصوص الأثر الرجعي لهذا التعديل على قضايا الفساد ومن تجري متابعتهم في الوقت الراهن، أن إلغاء الامتياز القضائي سيدخل حيز التطبيق إلى غاية المصادقة على مشروع التعديل الدستوري.وأضاف أن قضاة مجلس المحاسبة يستفيدون من حق الامتياز القضائي الذي يستفيد منه قضاة المحكمة العليا وفق نص المادة 12 من الأمر رقم 95- 23 المؤرخ في 26 أوت 1995 المتضمن القانون الأساسي لقضاة مجلس المحاسبة التي نصت على "استفادة قاضي مجلس المحاسبة من الامتياز القضائي الممنوح لقضاة المحكمة العليا".
وبشأن تقديم الشكاوى الكيدية ضد المبلغين عن الفساد ودور الامتياز القضائي في حمايتهم، استشهد المتحدث في هذا السياق، بمثالين من خلال احالة قاضيين بمجلس المحاسبة في الغرفة الاقليمية بقسنطينة على وكيل الجمهورية بعد تقديم مسير مدان في قضايا فساد لدعوى كيدية ضدهما، بعد ان قدما القاضيان تقريرا متضمنا لأفعال مجرمة، كما تعرضا القاضيان الى ضغوطات داخل مجلس المحاسبة وخارجه، مشيرا إلى أنه "لولا تمسكهما بالامتياز القضائي وحصولهما على انتفاء وجه الدعوى لربما كانا في وضع مختلف، خاصة وأن ذلك وقع في وقت تنمر "العصابة"، زيادة على عدم حمايتهما من قبل ادارة مجلس المحاسبة او الدفاع عنهما والتأسيس كطرف مدني حيث وقع العكس و تمت احالتهما على المجلس التأديبي وتعرضا لشتى أنواع التضييق".
وختم القاضي عبد الرؤوف بوخالفة بالقول أن تخلي الجزائر عن الامتياز القضائي يعد خطوة إضافية لدمقرطة جهاز العدالة، أسوة بالديمقراطيات الغربية التي تخلت عن هذا النوع من المعاملات التفضيلية القضائية في متابعة والتحقيق مع كبار موظفيها، وسوت بينهم وبين عامة المواطنين أمام عدالة بلدانهم.
وينتظر أن يصادق نواب مجلس الأمة على مشروع قانون الإجراءات الجزائية ليسري مفعوله على كل مسؤول سام ممن يشملهم التصنيف في تطبيق اجراءات المتابعة والتحقيق تكريسا لمبدأ المساواة بين جميع المواطنين أمام العدالة.