بيطام وقسنطيني يثمنان قرار الرئيس تبون ويؤكدان لـ ”المساء”:
يمكن إيجاد بدائل للتبليغ عن الفساد بالدليل بدل الرسائل المجهولة

- 917

❊ التجربة كشفت أن الكثير من تلك الرسائل كانت ”كيدية”
❊ عديد الإطارات أصبحوا يتخوفون من المتابعة بشبهة الفساد
اعتبر الأستاذان نجيب بيطام وفاروق قسنطيني المحاميان النشطان في مجال حقوق الإنسان، تراجع الجزائر عن العمل بـ "الرسائل المجهولة” في تحريك الدعوى العمومية ضد الأشخاص المسؤولين والإطارات في إطار مكافحة الفساد ”أمرا مرحبا به، بل هو تقويم لمسار كان لابد منه”، مشيران إلى أن التجربة كشفت أن الكثير من تلك الرسائل كانت ”كيدية” وتندرج في إطار تصفية الحسابات فقط، ”ما تسبب في سجن إطارات وتثبيط عزيمة من لم تطلهم التبليغات وبالتالي قتل المبادرة في التسيير”، لكنهما في المقابل اعتبرا في تصريحيهما لـ"المساء” أن البدائل المقترحة لمحاربة قضايا الفساد، عن طريق التبليغ المباشر من المواطنين أو عبر وسائل الإعلام ”تبقى غير كافية، كون المبلغين يتفادون الكشف عن هويتهم تجنبا للانتقام أو الفصل من مناصب العمل عندما تكون الجريمة قائمة”.
وإذ شددا على ضرورة إقرار بدائل إضافية للتبليغ عن الفساد، قدر محدثانا في سياق متصل، أن أحسن البدائل تكمن في استعمال الرقم الأخضر وقيام أجهزة الأمن بدورها الخاص بالتقصي والتحقيق. كما اقترحا أن تكون هناك تحقيقات قبلية تنتهي بالإيداع وليس العكس، ”لاسيما وأن الكثير من المتهمين يتم إثبات براءتهم بعد قضائهم فترة سجن وصلت أحيانا إلى سنتين أو أكثر” .
خوف الإطارات وراء إلغاء العمل بالرسائل المجهولة
أرجع المحامي فاروق قسنطيني، في حديثه إلى ”المساء” إقدام رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، على إلغاء العمل بالرسائل المجهولة في مجال مكافحة الفساد إلى تخوف العديد من الإطارات، مؤكدا أن الكثير منهم اصبحوا يتخوفون من المتابعة بشبهة الفساد لأمر أو لآخر. ”وهو ما أدى إلى تثبيط عزيمة العديد منهم وجعلهم يشعرون بضغط نفسي كبير وأنهم معرضون للتهمة والسجن في أي وقت”.
وإذ أشار إلى أن الغرض من إلغاء العمل بالرسالة المجهولة هو حماية الإطارات بالدرجة الأولى، ”وليس موجها للمواطنين العاديين كونهم ليسوا المقصودين بالإجراء”، ذكر الحقوقي أن الرئيس تبون، قرر إلغاء العمل بالرسالة المجهولة بالنظر لحاجة الجزائر الجديدة لهذه الإطارات، حيث أوضح في هذا الإطار بأن قانون الإجراءات الجزائية تضمن هذا الاجراء في السنة الماضية، بعد أن تم التخلي عنه في عهد وزير العدل الأسبق، ”أسوة بما تقوم به البلدان الديمقراطية، لأن هذا الإجراء لم تعد الكثير من الدول تعمل به لما يتضمنه من ظلم وأخطار وانطوائه على أخطاء قد تدمر حياة الأشخاص ومستقبلهم”.
وفيما لم يستبعد المحامي أن تكون الجزائر قد عززت العمل بالإجراء لظروف خاصة، أكد بقوله إنه ”مهما يكن فإن الرسالة المجهولة هي إجراء خطير قد ينجر عنها الظلم وهي تتعارض وقرينة البراءة”.
وذكر محدثنا في سياق متصل، أن ”التجربة أبانت أن الكثير من الأشخاص الذين تم التبليغ عنهم بتهمة الفساد وجدوا أنفسهم وراء القضبان، ومنهم من قضى عدة سنوات قبل أن تكشف التحقيقات أن التبليغات كانت كيدية وغير مؤسسة”، قبل أن يستطرد ”بل الأسوأ من هذا، أن مسار المتابعة معكوس، بمعنى أنه بمجرد التبليغ عن شخص يتم تحريك الدعوى العمومية والإيداع رهن السجن الاحتياطي ليبدأ بعد ذلك التحقيق، حيث يقبع المتهم في السجن ليخلى سبيله في حالة تبرئته أو يقضي مدة حبسه القانونية إن ثبتت عليه التهمة”.
واستشهد الأستاذ قسنطيني، بقضاء اطارات بشركة ”كوسيدار” فترة 42 شهرا كاملة في السجن بسبب رسالة مجهولة حول الفساد، ليتم بعد ذلك تبرئتهم، مشيرا إلى أنه حتى وإن كان القانون يعوض عن الضرر المعنوي بمبالغ هامة إلا أن التعامل مع هذه القضية كان خاطئا منذ البداية.
بالإضافة إلى هذا أشار المحامي، إلى أن الرسالة المجهولة تخلق عائقا لدى هيئة الدفاع، من حيث أنها تؤسس للدفاع عن متهمين ضد مجهول، ”وبالتالي فإن طبيعة المحاكمة تكون غير متوازنة ومتكافئة”.
وعلى هذا الأساس يرى المحامي، أن أحسن قناة للتبليغ عن تهم الفساد هي الطرق المباشرة في الحالات التي يكون فيها الشخص المبلغ حائزا على الدلائل.
وفي تقييمه للبدائل المقترحة للتبليغ عن قضايا الفساد، والتي ذكرتها الأمرية الرئاسية، والمتمثلة في ”التبليغ المباشر مع توفير الحماية” و"التوجه لوسائل الإعلام” أكد قسنطيني، أن البديل الأول ممكن بشرط توفر جميع الأدلة، إلا أنه استبعد القدرة على توفير الحماية لكل المبلغين ما يجعل ـ حسبه ـ هذا البديل الأول غير محفز ”كون المبلغين يتجنبون الانتقام في حال ثبوت الجريمة، وقد يكون ذلك إما بالفصل من مناصب عملهم أو الانتقام المباشر منهم”. أما بالنسبة للبديل الثاني وهو وسائل الإعلام فاعتبره الحقوقي ممكنا، ”لكن شريطة أن يكون هو الأخر مؤسس ويستند إلى أدلة يقدمها المبلغ، تتبع بفتح تحقيقات، مراعاة لقرينة البراءة وحتى لا يتهم الأشخاص ظلما”. ليخلص في الأخير إلى أن ”أحسن الطرق لمكافحة الفساد هي أن تضطلع وسائل الأمن بدورها الكامل وتستعمل كل ما لديها للكشف عن الفساد ومحاربته”.
من جانبه ربط المحامي والحقوقي نجيب بيطام، العمل بالرسالة المجهولة في الجزائر بتقاليد وإجراءات تم إقرارها منذ عدة سنوات، قائلا في هذا الصدد إن ”أول من أدخلها لمنظومة التشريع الوطني هو أحمد أويحيى، عندما كان وزيرا للعدل، وذلك في إطار ما كان يعرف بـ"حملة الأيادي البيضاء”.
وأضاف محدثنا، أن هذه الرسائل المجهولة تسببت في ظلم العديد من الإطارات في مختلف الأسلاك، ”حيث عوقبوا ظلما وسجنوا لفترات معتبرة، قبل أن يخلى سبيل الكثير منهم بعد أن تبين أنهم أبرياء”.
وأشار الأستاذ بيطام، إلى أن الوصول اليوم إلى إلغاء الرسالة المجهولة يعد تتويجا لنضال قام به المحامون، كون هذا الإجراء يتعارض مع قرينة البراءة التي هي أساسية ومحورية في أي محاكمة كانت، مقدرا من جهته بأن ”الكثير من الرسائل المجهولة تنطوي على مسائل ”كيدية” و"انتقامية” و"تصفية حسابات”، حيث ذكر في هذا الشأن أن التجربة الميدانية كشفت عن وقوع عدة أخطاء بسبب الرسالة المجهولة سواء في الماضي أو في الفترة الأخيرة.
وبالنسبة للبدائل المقترحة في قرار رئيس الجمهورية، قدر الأستاذ بيطام، أن ”التبليغ المباشر يكون غير ممكن في القضايا الخطيرة كتجارة المخدرات مثلا، حيث لا يستطيع مواطن مجرد من أية حماية، أن يضع نفسه في مواجهة مع تجار هذه السموم ويكشف عن هويته، حتى وإن كانت بحوزته فيديوهات وصور أو لديه معطيات دقيقة عنهم، كونه يعرض نفسه للانتقام الذي قد يصل إلى حد القتل، فيما قد يجد المبلّغ عن الفساد في مؤسسته مفصولا عن عمله بالمؤسسة، لا سيما إن كان المبلغ عنه أعلى منه في درجات المسؤولية”.
وبالنسبة للإجراء المتعلق باللجوء إلى وسائل الإعلام للتبليغ عن الفساد، فاعتبره المتحدث ”ممكنا إلى حد ما وفي بعض القضايا”، مشيرا إلى أن هذا الأمر يبقى مشروطا بضرورة أن يتحقق الصحفي من المعطيات التي قدمت له ويباشر على أساسها تحقيقاته الميدانية لكشف الحقيقة للرأي العام.
ومن البدائل التي يقترحها السيد بيطام، لمكافحة الفساد وانخراط المبلغين عنه، ”وضع رقم أخضر خاص بالتبليغ عن قضايا الفساد مثلما هو معمول به في تونس”. كما يرى أنه من الضروري أن تقوم أجهزة الأمن بدور أكبر لمتابعة المتهمين وجمع أدلة مادية، ”حتى لا يقضي المتهمون سنوات في السجن ثم تثبت براءتهم في الأخير، ليتم اكتشاف أن التبليغات عنهم كانت كيدية وانتقامية فقط، لا أساس لها من الصحة”.