وسط غياب تام لرئيس ما يسمى بالمجلس العسكري عاصمي غويتا

اقتتال وفوضى غير مسبوقة في مالي

اقتتال وفوضى غير مسبوقة في مالي
  • 207
ص. محمديوة ص. محمديوة

وجدت القيادة العسكرية في مالي نفسها في موقف أقل ما يقال عنه إنه صعب وحرج منذ انقلاب 2020 على إثر مقتل وزير الدفاع، ساديو كامارا، والغياب التام لرئيس المجلس العسكري الحاكم، عاصمي غويتا، الذي لم يسمع له صوت منذ انطلاق الاقتتال العنيف بين قواته وقوات جبهة تحرير الأزواد في اليومين الأخيرين في هذا البلد الإفريقي المضطرب والمنتمي لمنطقة الساحل.

في مشهد ضبابي أغرق البلاد في حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل المجلس العسكري الحاكم، انزلقت مالي إلى وضع أمني خطير على إثر سلسلة غير مسبوقة من الهجمات المنسقة، نفذتها السبت الأخير قوات الأزواد بالتنسيق مع مجموعات مسلحة أخرى في عدة مناطق منها العاصمة باماكو ضد مواقع استراتيجية تابعة للمجلس العسكري.  

وهزّت تلك الهجمات العنيفة، التي ضربت في وقت متزامن باماكو وسينو وكاتي، معقل القيادة العسكرية، إضافة إلى موبتي وسيفاري في دلتا النيل الوسطى وشمالا إلى غاو وبوريم وكيدال، النظام العسكري هزا عنيفا، لدرجة أن الحكومة المالية لم تكسر صمتها إلا ببيان، أعلنت فيه مقتل وزير الدفاع، ساديو كامارا، أحد الأعضاء الخمسة في المجلس العسكري الحاكم في هجوم انتحاري استهدف منزله في كاتي.

ويعد كامارا الشخصية الثانية الأكثر تأثيرا في المجلس العسكري بعد غويتا، ويعتبر مهندس التحالف الروسي والقوة الدافعة خلف الاستراتيجية الهجومية للجيش المالي، بما في ذلك ما وصفت بعملية "استعادة كيدال" في نوفمبر 2023، والتي روج لها النظام العسكري حينها باعتبارها "نصرا رمزيا كبيرا". وبصفته عضوا في "النواة الصلبة" لضباط انقلاب 2020، كان كامارا يمثل الضمانة لاستقرار هرم السلطة العسكرية، فإن مقتله يمثل "ضربة في قلب النظام" ويفقده أحد أهم أعمدته التي صاغت سياسة مالي السيادية الجديدة.

ورغم الهدوء الحذر، الذي ساد أمس العاصمة باماكو وضواحيها ومختلف انحاء مالي، لا تزال المعلومات غائبة عن مصير رئيس المجلس العسكري، عاصمي غويتا، وسط تضارب الأنباء حول مكان تواجده واذا ما تم إجلاؤه إلى مكان سري أو أنه قام بالفرار. كما أكدت تقارير إعلامية واردة أمس سقوط مدينة كيدال الاستراتيجية في قبضة "جبهة تحرير أزواد"، حيث تحدث شهود عيان عن انسحاب للقوات الروسية المتحالفة مع الجيش المالي.

وبقدر ما يعكس مثل هذا المشهد هشاشة الوضع الأمني في هذا البلد الإفريقي المضطرب منذ عقود، أثار أيضا قلقا دوليا واقليميا متزايدا، حيث أعرب المتحدث باسم الأمين العام الاممي، أنطونيو غوتيريس، عن قلق هذا الأخير، إزاء التقارير الواردة عن وقوع هجمات في عدة مواقع بمالي. ودعا إلى "تقديم دعم دولي منسق للتصدي للتهديد المتنامي للتطرف العنيف والإرهاب في منطقة الساحل، والاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة". من جانبه، قال رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، إنه يتابع الوضع "بقلق بالغ". بينما أدانت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "ايكواس"، التي انسحبت منها مالي والنيجر وبوركينافاسو، تلك الهجمات.

ولم تكن موجة العنف الراهنة في مالي مفاجئة للمتابعين، التي تعيش منذ انزلاق الوضع الأمني عام 2012 حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار، تخللتها دورات متكررة من التصعيد والانفلات الأمني، فاقمتها الانقلابات العسكرية المتوالية والتي بلغت حد انقلابين في اقل من عامين. وترك انسحاب بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة "مينوسما" نهاية عام 2023، فراغ أمنيا واسعا النطاق، حاول الجيش المالي ملأه بدعم من روسيا، لكن من دون أن يمكن ذلك، كما يبدو، في احتواء وضع أمني معقد.