رغم مخاوفها من تبعاته على الوضع الوبائي في ألمانيا

ميركل تقرر رفع إجراءات الحجر الصحي على مراحل

ميركل تقرر رفع إجراءات الحجر الصحي على مراحل
  • 881
م. مرشدي م. مرشدي

طالبت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، أمس، مواطنيها بالتحلي بالانضباط والالتزام بإجراءات الوقاية الصحية لمنع حدوث أية انتكاسة في محاربة فيروس "كورونا" وبقناعة أن القول بالتمكن من القضاء على الوباء سابق لأوانه. وقالت ميركل بمناسبة أول يوم من إجراءات الرفع التدريجي لإجراءات الحجر الصحي إننا مازلنا في بداية تفشي الوباء ولم نخرج  بعد من دائرة خطره مما جعلها تحذر مما وصفته بالخطر الكبير في  حال عاد الوباء بشكل قوي وضمن الانتكاسة لا يمكن تحمل تبعاتها.

شرعت ألمانيا، أمس، في رفع قيود الحجر الصحي المفروضة في البلاد بعد أن أكدت أن الوضعية الوبائية لفيروس "كورونا" أصبحت تحت السيطرة ضمن قرار لم يقلل من حقيقة المخاوف التي أبداها عديد المختصين الألمان من احتمالات عودة الوباء في عملية تفش ثانية قد تعيد الأمور إلى نقطة البداية ولكن بتبعات اجتماعية واقتصادية ونفسية اكثر وقعا من الحالية.

وسار موقف المستشارة الألمانية في سياق هذه التخوفات عندما أكدت أن الوضعية الصحية مازالت "هشة" مما جعلها لا تخفي تذمرها من دعاة الرفع الكلي لإجراءات الحجر الصحي وإلغاء مسافة التباعد اللازمة لتفادي الإصابة بعدوى الفيروس والتي حددتها السلطات الألمانية بمتر ونصف بدلا من متر واحد التي تم اعتمادها من طرف منظمة الصحة وأخذت بها  مختلف دول العالم.

وأبدى خبراء ألمان مخاوفهم من تبعات هذا القرار رغم أن بلادهم تبقى البلد الأوروبي الوحيد الذي عرف كيف يتعامل مع الوباء بفضل منظومته الصحية القوية وأيضا بفضل عمليات التشخيص الاستباقية الواسعة التي بادرت بها بمجرد ظهور أولى حالات الإصابة.

وأحصت ألمانيا إلى غاية نهار أمس وفاة 4 آلاف شخص من مجموع 135 ألف إصابة وهم رقم هين مقارنة مع ما سجلته إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وحتى بريطانيا ولكن ذلك لم يمنع مختصي الصحة وعلم الفيروسات في هذا البلد من إبداء  مخاوفهم  من احتمالات عودة المنحنى التصاعدي للوباء بعد اتخاذ هذا القرار الذي نعتوه بالسابق لأوانه.

ويبدو أن السلطات الألمانية راعت مثل هذه المخاوف مما جعلها تأخذ بالخيار الأكثر تفاؤلا، بعد أن اعتبرت الوضعية الوبائية "تحت السيطرة ويمكن تسييرها"، وسمحت بذلك لأصحاب المحلات التجارية التي لا تتعدى مساحتها الإجمالية 800 مترا مربعا لإعادة مباشرة أنشطتهم ضمن خطة مرحلية تكون بمثابة تجربة للحكم بعدها ما اذا كانت ستدخل المرحلة الثانية، الأكثر تحررا والسماح بعودة كل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المجمدة منذ شهر مارس الماضي ، مع مراعاة واقع كل مقاطعة من مقاطعات الفيدرالية الستة عشرة.

واقتصر "الضوء الأخضر" الذي منحته السلطات الألمانية، لإنهاء العمل بإجراءات الحجر الصحي على محلات البقالة والمواد الغذائية والمكتبات ومحلات الألبسة وبائعي الورود واستثنت في ذلك دور الثقافة والحانات والمطاعم وساحات ممارسة الرياضة التي ستبقى مغلقة أمام روادها إلى إشعار آخر تماما كما هو الحال بالنسبة لقاعات الحفلات الموسيقية الكبرى وملاعب كرة القدم التي حددت نهاية شهر أوت القادم لاستئناف أنشطتها.

أما المدارس والثانويات فستعود إليها الحياة من جديد بعودة التلاميذ بداية من الرابع ماي القادم  بشكل تدريجي مع إلزامية ارتداء اللثام لكل شخص.

وشكل موقف ألمانيا التي تبقى قاطرة الاقتصاد الأوروبي محل متابعة من جيرانها الذين وجدوا أنفسهم أمام مأزق رفع الحجر ومخاطر ذلك على صحة المواطنين وبين ضرورة إعادة بعث الحياة في اقتصادات أوشكت على إفلاس حتمي بعد توقف كل مظاهر الحياة فيها  لقرابة الشهرين.

وهو الموقف الذي التزمته كل من إيطاليا وإسبانيا وفرنسا التي تبقى من أكبر الدول الأوروبية تضررا من تبعات انتشار فيروس كورونا وفضلت تنتظر أولى نتائج القرار الألماني وتجربته العملية قبل الغوص فيه مع حلول الأسبوع الأول من الشهر القادم، رغم استمرار تسجيل أعداد إضافية في قائمة المصابين والمتوفين وإن كانت أعدادهم دخلت مرحلة التراجع التدريجي مقارنة بالأسابيع الأخيرة، التي شكلت مرحلة  الذروة لانتشار الوباء.

وقال الوزير الأول الفرنسي، إدوارد فليب أمس الذي مددت بلاده إجراءات الحجر الصحي إلى غاية الحادي عشر ماي القادم، أنه يتعين علينا العيش مع الفيروس ضمن إشارة قوية عزم بلاده اتخاذ قرارات باتجاه رفع قيود الحجر الصحي رغم مخاطره.

ويبدو أن الحكومة الألمانية بإقدامها على خطوة الخروج التدريجي من وطأة الحجر الصحي وجدت نفسها هي الأخرى تحت وطأة ضغط اللوبيات الصناعية الكبرى التي كانت أكبر المتضررين من تفشي "كوفيد ـ 19" بعد أن تهاوت أسهمها وتراجعت مداخيلها وهي الآن تريد الضغط على حكوماتها للانتهاء من هذه الوضعية الكارثية كمؤسسات صناعية كبرى لها مصالحها في كل العالم.

وهو ما يفسر سيل التقارير الاقتصادية الصادرة في هذا البلد وذاك والتوقعات الاستشرافية التي لا تبشر بالخير بالنسبة لمستقبل اقتصادات البلدان الصناعية الكبرى ولكل الاقتصاد العالمي الذي لم يسبق لفيروس أو حدث دولي، أن أوقعه أرضا وأدخله غرفة انكماش تام وحتمت على أسعار برميل النفط أن تتهاوى إلى حدود 15 دولارا للبرميل أمس بعد أن كانت قبل شهرين، عند عتبة السبعين دولارا.

وكان آخر تقرير أمعن في التشاؤم بالنسبة للاقتصاد العالمي ذلك الذي أصدره البنك المركزي الإسباني، الذي توقع انهيار الناتج الداخلي الخام في إسبانيا للعام الجاري إلى ناقص 13,6 بالمائة ضمن أكبر ضربة لرابع اقتصاد في منطقة الأورو.