نجاحات من رحم المعاناة

أبطال البكالوريا يهزمون الإعاقة، الفقر والتنمر

أبطال البكالوريا يهزمون الإعاقة، الفقر والتنمر
  • 123
رشيدة بلال رشيدة بلال

لم تكشف نتائج شهادة البكالوريا دورة 2026، عن نسب النجاح والمعدلات المرتفعة فحسب، بل أزاحت الستار أيضاً عن قصص إنسانية ملهمة، أبطالها تلاميذ تحدوا الإعاقة والفقر والظروف الاجتماعية والنفسية القاسية، ليبرهنوا أن النجاح لا تصنعه الإمكانات، بقدر ما تصنعه الإرادة والإصرار. وفي مختلف ولايات الوطن، تحولت أسماء هؤلاء المتفوقين إلى مصدر إلهام للآلاف، تم الترويج لها عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أثبتوا أن الأحلام يمكن أن تتحقق مهما اشتدت الصعوبات. "المساء" سلطت الضوء على عدد من هذه النماذج التي صنعت الحدث، عقب الإعلان عن نتائج البكالوريا.

عبد الباسط يتحدى ضعف البصر

كانت البداية من ولاية البليدة، التي حققت هذا الموسم، قفزة نوعية في نتائج شهادة البكالوريا، حيث برزت فئة ذوي الهمم مرة أخرى، لتؤكد أن الإرادة قادرة على تجاوز كل العراقيل. وفي زيارة إلى منزل الطالب عبد الباسط أمروش، ابن مدينة العفرون، وقفت "المساء" على تفاصيل قصة نجاح استثنائية. إذ ينحدر عبد الباسط من أسرة بسيطة؛ فوالده بطال، بينما كرست والدته حياتها لمرافقته ومتابعة مسيرته الدراسية منذ سنوات.

ويعاني عبد الباسط من إعاقة بصرية شديدة، إذ لا يرى بإحدى عينيه إطلاقاً، فيما لا تتجاوز نسبة الإبصار في العين الثانية واحداً بالمائة فقط. ومع ذلك، أظهر منذ سنواته الدراسية الأولى، ذكاءً لافتاً وتفوقاً مستمراً، بفضل عزيمته ومرافقة والدته، التي تكفلت بكتابة جميع دروسه ومساعدته على حفظها ومراجعتها.

قالت والدته لـ«المساء"، إن النجاح الذي حققه ابنها، كان ثمرة سنوات طويلة من الصبر والعمل، مؤكدة أنه كان يراجع دروسه مستعيناً بالنسبة الضئيلة التي يبصر بها، ويجتهد لساعات طويلة، حتى يحقق النتائج التي كان يحلم بها. وأضافت أن ميوله نحو الرياضيات والأرقام، ساعدته على التميز في شعبة الرياضيات، ليتمكن في النهاية من افتكاك المرتبة الأولى وطنياً في فئة ذوي الإعاقة، موجهاً رسالة قوية، مفادها أن الإعاقة لا يمكن أن تقف في وجه الطموح. ورغم فرحة النجاح، ما تزال للعائلة أمنية كبيرة، تتمثل في تمكين عبد الباسط من العلاج وإجراء عملية زراعة عين بالخارج. وأوضحت والدته، أن عدداً من الأطباء أكدوا إمكانية استعادة ابنها للبصر، عبر عملية متخصصة بالولايات المتحدة الأمريكية، معربة عن أملها في أن تجد مناشدتها صدى لدى الجهات المعنية، حتى يتحقق حلم ابنها برؤية النور، بعد سنوات طويلة من المعاناة.

سندس مكاوي ألهمت الآلاف

من بين القصص التي صنعت الحدث هذا الموسم، برزت قصة الطالبة ماريا سندس مكاوي، التي تحولت إلى مصدر إلهام واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تداول مقطع فيديو، يوثق لحظة انهيارها بالبكاء، فور إعلان نجاحها في شهادة البكالوريا. وكشفت التلميذة، عبر منشور على حسابها الشخصي، أنها عاشت خلال الموسم الدراسي الماضي، ظروفاً نفسية صعبة، نتيجة تعرضها لضغوط ومضايقات، وحتى التنمر عليها من زميلاتها، ما أثر على تحصيلها الدراسي، واضطرها إلى إعادة السنة، كما زادت الظروف الاجتماعية الصعبة التي تعيشها أسرتها، من حجم معاناتها.

لكنها رفضت الاستسلام، وقررت منح نفسها فرصة جديدة، فواجهت الإخفاق بالإصرار والاجتهاد، حتى تمكنت هذا العام، من تحقيق حلمها ونيل شهادة البكالوريا، لتصبح قصتها رسالة أمل لكل تلميذ يعتقد أن التعثر يعني النهاية. وقد لقيت قصتها تفاعلاً واسعاً، حيث اعتبرها الكثيرون نموذجاً، يؤكد أن النجاح يولد أحياناً من رحم المعاناة، وأن الإرادة قادرة على تحويل لحظات الانكسار إلى محطات مضيئة في الحياة.

دعاء بلكوت إرادة ابنة وتضحية أب

في ولاية سطيف، خطفت التلميذة دعاء بلكوت الأنظار، بعدما تصدرت المرتبة الأولى وطنياً في فئة التحدي الحركي، إثر حصولها على معدل 17.44 في شعبة العلوم التجريبية. وراء هذا الإنجاز تختبئ سنوات من الكفاح، إذ تعيش دعاء في الطابق الخامس، بعمارة تفتقر إلى المصعد، وكان والدها يحملها يومياً على ظهره صعوداً ونزولاً، حتى تتمكن من الالتحاق بثانوية "سليمان عميرات" ومواصلة دراستها.

ورغم الصعوبات التي واجهتها، اعتمدت دعاء على مجهودها الشخصي دون اللجوء إلى الدروس الخصوصية، مؤمنة بأن الاجتهاد وحده، هو السبيل الحقيقي إلى النجاح، فكان ثمرة ذلك تتويجاً وطنياً مستحقاً. ولم يكن هذا التفوق تكريماً لدعاء وحدها، بل كان أيضاً تكريماً لوالدها، الذي حملها سنوات طويلة، وحمل معها حلمها حتى تحقق، في صورة تجسد أسمى معاني التضحية والدعم الأسري.

عبد الله عبدلي.. أحلام لا تعرف المستحيل

من ولاية البيض، كتب التلميذ عبد الله، واحدة من أجمل قصص النجاح لهذا الموسم، بعدما حقق أعلى معدل على مستوى الولاية، بلغ 18.69 في شعبة الهندسة المدنية. ولم تكن الظروف الصعبة التي يعيشها داخل خيمة متواضعة ببلدية المحرة، بالأبيض سيدي الشيخ، عائقاً أمام طموحه، بل كانت دافعاً لمضاعفة جهوده والاجتهاد من أجل بلوغ هدفه. وفي أركان خيمة بسيطة، رسم عبد الله طريقه نحو التفوق، مؤمناً بأن النجاح لا يرتبط بالإمكانات المادية، وإنما بالإرادة والعمل المتواصل.

وقد تحول إنجازه إلى مصدر فخر لعائلته وولايته، ورسالة أمل لكل التلاميذ الذين يواجهون ظروفاً اجتماعية صعبة، مفادها أن البدايات المتواضعة لا تمنع الوصول إلى القمة، وأن الأحلام الكبيرة يمكن أن تولد في أبسط الأماكن. وتبقى هذه النماذج رسائل أمل لكل تلميذ يواجه العقبات، بأن الإيمان بالنفس والعمل الجاد والدعم الأسري الصادق، قادرة جميعها على صناعة مستقبل مشرق، مهما كانت نقطة البداية.