حينما تلتقي أذواق العالم في عاصمة الجزائر

أطباق بنكهات عابرة للقارات في متنزه "الصابلات"

أطباق بنكهات عابرة للقارات في متنزه "الصابلات"
  • 236
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

مع حلول فصل الصيف وبداية انطلاق الموسم السياحي والترفيهي في الجزائر، تحوّل متنزه "الصابلات" بالعاصمة هذه الأيام، الى واحدة من أكثر الوجهات استقطابا للعائلات والشباب، حيث نجح معرض أكل الشوارع في استقطاب آلاف الزوار، الذين وجدوا فيه فرصة لاكتشاف نكهات جديدة من مختلف مطابخ العالم، وسط أجواء احتفالية امتزج فيها الطعام بالموسيقى والترفيه واللقاءات العائلية؛ في مشهد يعكس التحول الذي تعرفه ثقافة الاستهلاك والترفيه لدى الجزائريين.

لم يعد المعرض مجرد فضاء لتذوق الوجبات السريعة أو الأطباق العالمية، بل تحوّل الى موعد سنوي ينتظره الكثيرون بشغف، خاصة مع تنوع العارضين، والحضور اللافت للمطابخ الأجنبية والجزائرية على حد سواء، وهو ما جعل الطبعة الحالية تشهد إقبالا كبيرا منذ أيامها الأولى، حيث بدت الممرات مكتظة بالزوار، الذين تنقلوا بين الأجنحة؛ بحثا عن تجربة مختلفة، ومذاقات جديدة. وكانت الأجواء العائلية من أبرز ما ميز هذه الطبعة، خاصة أنها تزامنت مع انتهاء امتحانات نهاية السنة الدراسية واجتياز امتحان البكالوريا، ما دفع الكثير من العائلات الى اختيار متنزه "الصابلات"؛ كوجهة للاحتفال بنهاية موسم دراسي طويل. 

ومع امتداد النشاطات الى ساعات متأخرة من الليل، استمرت الحركة داخل المعرض بشكل لافت، حيث امتلأت الطاولات بالعائلات والأصدقاء وسط موسيقى خفيفة، وروائح الطعام المتصاعدة من مختلف الأجنحة. وقالت عائلات تحدثت إلـى "المساء" إنها جاءت رفقة أبنائها لزيارة المعرض بعد انتهاء الامتحانات؛ لأن الأطفال كانوا ينتظرون هذا النوع من الخرجات منذ أسابيع، مؤكدين أن الأجواء جميلة ومريحة، تمنح فرصة تجربة أطباق لا فرصة لوجودها في فضاء واحد مرة أخرى.

"الأنيمي" والمسلسلات الكورية والآسيوية تدغدغ فضول الجزائريّين..

ومن بين أكثر ما شد انتباه الزوار هذا العام، الحضور القوي للمطبخ الآسيوي، الذي تحوّل الى واحد من أبرز نجوم المعرض، فقد شهدت أجنحة "النودلز" و"السوشي" و"الرامن" و"الدجاج الكوري"، إقبالا كبيرا من الشباب على وجه الخصوص، حيث شكّل الفضول والرغبة في اكتشاف نكهات جديدة، دافعا أساسيا لتجربة هذه الأطباق التي كانت الى وقت قريب، بعيدة نسبيا عن المائدة الجزائرية. وبدا واضحا أن الثقافة الآسيوية التي انتشرت عبر الأفلام والمسلسلات ومنصات التواصل الاجتماعي، ساهمت، بشكل كبير، في جذب الجمهور نحو هذه الوجبات.

كما سجل المطبخ الإفريقي هو الآخر حضورا لافتا من خلال عدد من الأطباق القادمة من غرب القارة، وعلى رأسها الأطباق السنغالية التي استوقفت الزوار بنكهاتها الغنية، وتوابلها المميزة. ومن بين أكثر الأطباق جذبا للاهتمام طبق "تيبوديان" الشهير المعتمد على السمك والأرز والخضر، الى جانب أطباق تعتمد على الدجاج المشوي والصلصات الحارة. وقد وجد كثير من الزوار في هذه الأطباق فرصة لاكتشاف جانب آخر من المطبخ الإفريقي، الذي لايزال غير معروف بشكل واسع لدى الجزائريين، لكن تفتُّح الزوار على تجربة نكهات جديدة، ساعد في التعريف بعدد من ثقافات الأكل الإفريقي..

أما المطبخ المتوسطي فحافظ بدوره على مكانته داخل المعرض، من خلال الحضور القوي للأطباق الإيطالية والإسبانية، التي لا تفقد جاذبيتها مهما تعددت الخيارات؛ فالبيتزا بمختلف أنواعها كانت من بين أكثر الوجبات طلبا، بل تحولت لدى البعض من كلاسيكيات الأكل اليومي، خاصة أنها تحولت خلال السنوات الأخيرة الى جزء لا يتجزأ من ثقافة أكل الشارع في الجزائر، حيث يقبل عليها الكبار والصغار.

كما سجلت أطباق "البايلا" الإسبانية حضورا مميزا بفضل مزيجها الغني من الأرز والمنتجات البحرية والخضر. وقد انعكس هذا الإقبال في عدد الزوار الذين شكلوا طابورا طويلا للظفر بطبق بسعر 1000 دج وإن كان هذا الثمن لا يساوي القيمة الحقيقية للطبق، حسبما أكد الحضور هناك، فيما استقطبت حلوى "تيراميسو" الإيطالية، عشاق الحلويات، الذين وجدوا فيها توازنا بين المذاق الخفيف، والنكهة الغنية للقهوة، والكريمة المخفوقة.

ولم تغب الأطباق الأمريكية عن المشهد، حيث واصلت وجبات "الهمبرغر" بمختلف أحجامها ووصفاتها، في استقطاب جمهور واسع، خاصة فئة الشباب، الذين يقبلون على هذه الوجبة؛ باعتبارها واحدة من أكثر الوجبات انتشارا في العالم. كما سجلت الأطباق القادمة من أمريكا اللاتينية هي الأخرى، حضورا متزايدا، على غرار "الطاكو" و"الطاكوس" المحشوة باللحم أو الدجاج والخضر والصلصات المتنوعة. وهي أطباق وجدت طريقها بسرعة الى ذوق المستهلك الجزائري، الباحث باستمرار عن تجارب جديدة تجمع بين البساطة والنكهة القوية، ليحولها بعد فترة الى روتين أكل يومي، يكاد لا يغيب عن عاداته في الأكل.

"كسرة حلوة" تصنع الحدث

غير أن المفاجأة الحقيقية التي صنعت الحدث هذا العام لم تكن وجبة أجنبية أو وصفة عالمية، بل كانت منتجا جزائريا، أعيد تقديمه بطريقة مبتكرة. ويتعلق الأمر بـ"الكسرة الحلوة" أو "الفطيرة الحلوة" التي قدمها صاحب علامة "أبو البنات"، فبدل شكلها التقليدي المعروف تحولت الكسرة الى فطيرة محشوة بالشوكولاطة والمكسرات والفواكه، في تجربة جمعت بين الطابع الشعبي واللمسة العصرية. وقد صنعت هذه الوصفة ضجة واسعة بين الشباب، الذين تداولوا صورها ومقاطعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تشكلت طوابير طويلة أمام الجناح في انتظار تذوقها. 

وقال أحد الزوار: "سمعنا كثيرا عن الكسرة الحلوة على مواقع التواصل. وجئنا خصيصا لتجربتها. الفكرة مختلفة. والطعم فاق توقعاتنا. ولم تكن التجربة فاشلة أبدا، بل على العكس؛ فاجأنا ذوقها المميز". ومن جهتهم، عبّر عدد من الباعة عن ارتياحهم الكبير لحجم الإقبال الذي شهدته الطبعة الحالية، حيث أكد رابح أحد العارضين، أن الحركة كانت قوية منذ اليوم الأول، مشيرا الى أن تنوع الجمهور بين العائلات والشباب ساهم في خلق حركية استثنائية داخل المعرض. وأضاف أن مثل هذه الفعاليات يمنح فرصة للتعريف بمنتجات جديدة، واختبار ردود فعل المستهلكين بشكل مباشر. كما هي فرصة لاحتكاك رواد هذه الأعمال والطباخين؛ لاكتشاف نكهات جديدة، وربما تجربة أذواق ووصفات مختلفة.

الأطباق التقليدية سيدة المعرض..

ورغم الحضور القوي للمطابخ العالمية بقي المطبخ الجزائري التقليدي حاضرا وبقوة داخل المعرض، حيث حافظت أطباق مثل "الشخشوخة" و"الرشتة" و"الطاجين" و"الكسكسي" و"المحاجب"، على مكانتها لدى فئة واسعة من الزوار، خاصة كبار السن، الذين يفضلون النكهات الموروثة بدل الوجبات السريعة والأطباق المستوردة. وبالنسبة لهؤلاء، لا يمكن أيَّ "برغر" أو"بيتزا" او "طاكوس" أن ينافس طبقا تقليديا يحمل ذاكرة العائلة، وروائح المناسبات والأعراس، وهو ما يؤكد أن المطبخ الجزائري يظل أحد أهم عناصر الهوية الثقافية، القادرة على الصمود والتجدد في الوقت نفسه.