حرفة صناعة "الصباط" التقليدي البليدي

إرث عريق يدخل العالمية

إرث عريق يدخل العالمية
  • 97

تُعد ولاية البليدة من بين الولايات التي برع حرفيوها في صناعة الحذاء التقليدي أو ما يُعرف محليًا بـ"الصباط" . حيث تميّز الحرفيون بإبداعهم في صناعة "البلغة" ، و"البابوش" ، وأصناف أخرى من الأحذية التقليدية المصنوعة يدويًا من جلود الحيوانات. ورغم تراجع هذا النوع من الصناعات لايزال الحرفي عمي العربي رابح، متمسكًا بهذه الحرفة، ساعيًا إلى تلقين ابنه إياها حتى لا تندثر في ظل وجود طلب متزايد عليها من خارج الوطن.

رشيدة بلال كغيره من الحرفيين، تعلّم عمي العربي رابح عبد الرحمن، صناعة "الصباط" التقليدي عن والده؛ إذ تُعد هذه الحرفة من الصناعات التي اشتهرت بها عائلته أبًا عن جد منذ عقود. وبالنظر إلى تخوفه من اندثارها شرع في تعليم ابنه كل أسرارها رغم أن هذا الأخير مهندس في الإلكترونيك، إلا أن ذلك لم يمنعه من تعلّم "صنعة الأجداد". 

وفي هذا السياق، أكد المتحدث لـ"المساء" أن الكثير من شباب اليوم لا يُقبلون على تعلم الصناعات التقليدية، وهو ما قد يُعجّل بزوالها إن لم يتم توريثها للأجيال القادمة.

ويُشير الحرفي إلى أن الاعتقاد السائد بأن صناعة "الصباط" تقتصر على ولاية المدية فقط، هو اعتقاد غير دقيق، موضحًا أن المدية اشتهرت بهذه الحرفة نظرًا لحلول الأتراك بها، المعروفين بإتقان الصناعات الجلدية، إضافة إلى اعتمادها كنشاط تجاري؛ ما أسهم في شهرتها. أما ولاية البليدة فقد تعاقب عليها الأندلسيون والأتراك، ما ساهم في نقل هذه الحرفة إلى سكانها، الذين مارسوها حبًّا في الصناعة التقليدية، لا من باب التجارة فقط.

وأضاف أن صناعة "الصباط" لا تقتصر على المدية أو البليدة فحسب، بل تنتشر أيضًا في ولايات أخرى؛ العاصمة، وتلمسان، ووهران. غير أن خصوصية الحرفيين بالبليدة تكمن في ارتباطهم الوجداني بهذه الحرفة؛ ما انعكس على جودة منتجاتهم، وإتقانها.

وأشار عمي العربي إلى أن زبائنه من فئة خاصة تُقدّر قيمة العمل التقليدي اليدوي، حيث تتعامل مع فنانين معروفين، على غرار الفنان القدير صويلح، الذي كان يشتري "الصباط" من عنده، والفنان عثمان بن داود، الذي ساهم في الترويج لمنتجاتها في أحد المعارض التي  زارها. كما تلقّى المتحدث دعوات للمشاركة في معارض داخل سفارات مختلفة، حيث لاقت منتجاته إعجاب الأجانب؛ ما مكّنه من كسب زبائن من خارج الوطن.

وفي سياق مواكبة العصر، لم يكتف الحرفي بمحله المتواضع، بل استغل مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لمنتجاته، والتفتح على الأسواق الخارجية، حيث أصبح يتعامل مع حرفيين وفنانين مثل رسامين، ومختصين في صناعة اللباس التقليدي والحقائب، تصميم أحذية تتماشى مع الأزياء التقليدية؛ ما ساهم في توسيع شهرته، والتعريف بالحذاء التقليدي الجزائري عالميًا.

ويتميز "الصباط" و "البابوش" و "البلغة" التي يصنعها عمي العربي، باستعماله الجلود الطبيعية، سواء من الماعز أو الأبقار أو الخرفان، ما يمنحه راحة وجودة عالية. كما يُضفي الحرفيّ عليه لمسات جمالية من خلال الزخارف، والحلي التقليدية التي تزيّنه؛ ما يعكس عادات وتقاليد مختلف مناطق الوطن؛ استجابة لرغبات الزبائن.

وأكد الحرفي أن سر تمسّكه بهذه الحرفة يكمن في قيمتها التراثية؛ إذ تُنجَز يدويا، وبمواد طبيعية، حتى الألوان المستعملة كلها طبيعية. وبعضها يتم جلبها من خارج الوطن حسب طلب الزبائن. كما أبرز الدور الكبير الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لمنتجاته، خاصة "البابوش" التقليدي، الذي صَمم منه نموذجا خاصا، وجّهه إلى زبونة في الولايات المتحدة الأمريكية.

ويعمل عمي العربي على تطوير منتجاته بإدخال لمسات إبداعية، مثل استعمال الصوف الطبيعي في التزيين، أو بالتعاون مع حرفيين مختصين في الرسم على "البابوش" في إطار الحفاظ على الطابع التقليدي مع لمسة عصرية؛ حتى يظل "الصباط" و "البابوش" البليدي حاضرا في كل المناسبات.

وختم عمي العربي حديثه بالتأكيد على أن حبه لحرفته وإتقانه لها هو ما جعله وفيا لها على مدار عقود من الزمن، داعيًا الشباب إلى الاحتكاك بالحرفيين من أصحاب الصنعة وتعلم هذه المهن التي لا يجب أن تزول، معتبرًا أنها مورد رزق مهم لمن يُحسن الحفاظ عليها، والترويج لها.