شواطئ عنابة قبلة الهاربين من صخب المدينة

الصيد بالقصبة.. ملاذ الباحثين عن المتعة والصبر

الصيد بالقصبة.. ملاذ الباحثين عن المتعة والصبر
  • 231
سميرة عوام  سميرة عوام 

يستيقظ هواة الصيد بالقصبة والسنارة في ولاية عنابة، مع خيوط الفجر الأولى، حيث ينطلقون بهدوء وسكينة، حاملين أدواتهم البسيطة والتقليدية نحو الشواطئ الصخرية والرملية الساحرة، التي تزخر بها المدينة، مدفوعين بشغف عميق ومتجدد، يجمع بين عشق زرقة البحر اللامتناهية والبحث الدؤوب عن لحظات من السكينة والهدوء، والابتعاد عن صخب الحياة اليومية المعتاد. 

تتحول شواطئ المدينة، مثل شاطئ “عين عشير” و"رفاس زهوان” وكذلك “القطارة”، والمنحدرات الصخرية الممتدة على طول الشريط الساحلي، خلال فترة فصل الصيف، إلى قبلة مميزة ومفضلة لهؤلاء الصيادين، الذين يجدون في ممارسة هذه الهواية متنفسا حقيقيا يخلصهم من ضغوط العمل والمسؤوليات، وفرصة ثمينة للاستمتاع بنقاء الطبيعة العذراء والتقاط الأنفاس، قبل أن تبدأ الشواطئ بالامتلاء وتستقبل الصخب المعتاد لبقية نهار الصيف الحار.

تعتبر هواية الصيد بالقصبة طقسا صيفيا بامتياز، يتجاوز في عمقه مجرد فكرة جلب الأسماك أو توفير وجبة عشاء، بل هو بمثابة نمط حياة متكامل وقائم بذاته؛ مع بداية حلول الفصل الحار.

يحرص الهواة من مختلف الفئات والأعمار، من شباب يافعين وشيوخ كبار خبروا أسرار البحر، على إعداد وتجهيز معداتهم الخاصة بدقة وعناية فائقتين، والتي تتكون عادة من قصبات خشبية أو بلاستيكية مرنة، وخيوط نايلون دقيقة وقوية، وسنانير حديدية بأحجام وأشكال مختلفة ومتنوعة، إضافة إلى اهتمامهم البالغ باختيار واقتناء الطعوم المناسبة لنوع السمك المراد اصطياده. ويمثل النهوض فجرا في الأوقات المبكرة جزءا أساسيا، لا يتجزأ من نجاح هذه التجربة الفريدة، حيث تكون مياه البحر في تلك الساعات هادئة وساكنة للغاية، وتكون الأسماك بمختلف أنواعها أكثر حركة ونشاطا وقربا من المنحدرات الشاطئية، مما يمنح الصياد شعورا فريدا من نوعه بالسلام الداخلي والراحة النفسية، وهو يراقب لحظة شروق الشمس الساحرة، وهي تعانق الأفق البحري، وتنعكس على الأمواج، في لوحة ربانية مهيبة تأسر القلوب والعيون.

أكد بعض الشباب الهاوي للصيد بواسطة القصبة، لـ"لمساء”، أن هذه الممارسة علمتهم الصبر الطويل والقدرة الكبيرة على التحمل في مواجهة مختلف الظروف، إذ أن الجلوس أو الوقوف لساعات ممتدة وطويلة على صخور الشاطئ الصلبة، في انتظار تحرك خيط السنارة، يمنح الشخص طاقة كبيرة وقدرة عالية على التركيز الشديد ومراقبة التفاصيل الدقيقة المحيطة به، دون الإحساس بأي نوع من الملل أو التعب. كما تساهم هذه الأوقات الطويلة والممتدة، في بناء وتقوية الروابط الاجتماعية المتينة بين أفراد المجتمع، إذ تتحول فترات الصيد والانتظار على الصخور إلى فضاءات اجتماعية مفتوحة وعفوية لتبادل الخبرات، وتناقل القصص والحكايات الشيقة، وتقديم النصائح والإرشادات المفيدة حول أفضل الأماكن الساحلية، وأنجع الأساليب المستعملة بين الهواة، مما يساعد بشكل فعال، في تكوين صداقات قوية ومستمرة لسنوات طويلة عابرة للأجيال، ومختلف المستويات الاجتماعية.

أضف إلى ذلك، فإن هذه الهواية تساهم بشكل كبير في تنمية الوعي البيئي والصحي السليم لدى هؤلاء الشباب؛ حيث يكتسب ممارسو الصيد بالقصبة تقديرا خاصا ومباشرا للحياة البحرية وثرواتها المتنوعة، فيتحولون مع مرور الوقت، إلى خط الدفاع الأول عن نظافة الشواطئ وحماية المياه من التلوث والمخلفات الضارة، فضلاً عن الفوائد الجسدية والصحية الكثيرة التي يجنيها الصياد، من خلال استنشاق هواء البحر النقي والمنعش الغني بمادة اليود، في الساعات الأولى من الصباح الباكر، وهو ما يجدد نشاط الدورة الدموية ويمنح الجسم حيوية ومقاومة للأمراض.

ولا يقاس نجاح رحلة الصيد الممتعة أبدا بعدد الأسماك أو بحجم التي يحملها الصياد في سلته الصغيرة، عند العودة إلى منزله، بعد رحلة شاقة، بل يقاس بمقدار الراحة النفسية العميقة والطاقة الإيجابية المتجددة التي استمدها طوال ساعات الصباح، من مناجاة البحر الواسع والتمتع بنسماته الباردة الواعدة بالنشاط والأمل والتفاؤل.

وتنعكس هذه الحركة الدؤوبة والمستمرة لهواة الصيد بشكل إيجابي وملحوظ، على الحركية الاقتصادية والتجارية والسياحية في ولاية عنابة، خلال موسم الصيف؛ حيث تشهد المحلات التجارية المتخصصة في بيع أدوات الصيد البحري والطعوم الحية، إقبالاً كبيرا وواسعا من طرف الزوار الوافدين والمواطنين المقيمين على حد سواء، لتأمين لوازم واحتياجات رحلاتهم البحرية المختلفة. كما تساهم هذه الهواية الجميلة في إبراز المؤهلات الطبيعية والسياحية الخلابة والساحرة التي تتميز بها المدينة، وتروج بشكل غير مباشر لنوع آخر من السياحة البيئية والترفيهية العفوية،التي تستهوي العائلات والمارة الذين يقصدون كورنيش المدينة، والذين يجدون متعة خاصة وتسلية فريدة في مراقبة الصيادين ومتابعة حركاتهم، وتشجيعهم ومشاركتهم بهجة تلك اللحظات السعيدة عند خروج السمكة من الماء. 

إن الصيد بالقصبة على شواطئ “بونة” المضيافة، يظل دائما وأبدا، بمثابة لوحة إنسانية واجتماعية حية ومتجددة، تجمع بامتياز بين بساطة الوسائل المستعملة، وعمق الصبر والتحمل، وجمال التواصل الدائم والروحي مع البحر وعوالمه الساحرة.