ذاكرة الصيف الجزائري بطعم الانتعاش
الفواكه الحمراء.. سيدة موسم الذوق والحنين
- 169
وردة زرقين
ما إن يحل فصل الصيف، حتى تتزين الأسواق بألوان الفواكه وروائحها الزكية، فتغدو جزءًا من ذاكرة الموسم ومائدته، وكلما عاد الصيف، عادت معه الفواكه الحمراء، لتؤكد أن بعض الذكريات لا تحتاج إلى كلمات كثيرة، يكفي أن يُرى لونها أو تُتذوق أول قطعة منها.
مع ارتفاع درجات الحرارة وتجاوزها في غالب الأيام الصيفية، تزيد حاجة الإنسان إلى مشروبات وأطعمة، تساعد على مواجهة تأثيرات درجات الحرارة المرتفعة، وتعد الفواكه والخضار التي تحتوي على نسب كبيرة من المياه، أحد أفضل المصادر الرئيسية لترطيب الجسم.
فمع حلول فصل الصيف، لا تتغير درجات الحرارة فحسب، بل تتبدل أيضًا ألوان الأسواق، فتغدو الفواكه ذات اللون الأحمر سيدة المشهد بألوانها الزاهية، التي تستوقف الأنظار، كما أنها لا تُستحضر بوصفها غذاءً فحسب، بل بوصفها جزءًا من هوية الصيف الجزائري. فحضورها يتجاوز المائدة، فهي عنوان لأسواق صاخبة وعائلات تجتمع حول صحن من الثمار الطازجة، فالفاكهة الحمراء ليست مجرد ثمار تنضج تحت شمس جويلية وأوت، بل هي حكايات موسمية تعود كل عام لتوقظ الحنين.
“البطيخ” أول من يعلن قدوم الصيف الحقيقي، وهو سيد الفواكه دون منازع، بلونه الأحمر القاني ومائه العذب الذي يروي العطش في الأيام الحارة، ويأتي “الخوخ” ليضفي لمسته الخاصة، بثماره المخملية التي تجمع بين الحلاوة والحموضة، فيغدو ضيفًا دائمًا على موائد الصيف، وبنكهته العطرة، يعلن ذروة الفصل.
بينما يتربع “الكرز” المعروف بـ"حب الملوك” على عرش الفواكه، بطعمه اللذيذ وقصر موسمه الذي يزيده تميزًا، فهو من أكثر الفواكه انتظارًا، رغم قصر موسمه، حبات صغيرة لامعة تحمل في داخلها مذاقًا لا يُنسى، وحضوره يعد مناسبة موسمية ينتظرها عشاقه كل عام. ولا يمكن إغفال “الكاكا” المعروفة بـ"البلاكمين” المستديرة، والتي تشبه الطماطم، فرغم أنها تُعرف أكثر كفاكهة خريفية، فإن بعض أصنافها المبكرة تظهر في أواخر الصيف، تتميز بلونها الأحمر البرتقالي الزاهي.
كما أن فاكهة “البرقوق” أو “عين بقرة” المستديرة، وذات اللون الأحمر المائل إلى البنفسجي، وطعمها الذي يجمع بين الحلاوة والانتعاش، لها مكانة في الأسواق. وتعد فاكهة “النكتارين”، وهي نوع من الخوخ المستدير، بلونها الأحمر المائل إلى الأصفر ومذاقها الحلو، من أبرز ثمار الصيف، التي تزين الأسواق، إلى جانب ثمار أخرى معروفة في قالمة والشرق الجزائري باسم “كعب غزال”، مستديرة الشكل بلونها الأحمر المائل إلى الوردي، وهي فاكهة مهجنة بين الخوخ و"عين بقرة”. ناهيك عن فواكه أخرى مثل “المشمش الأحمر” و"التفاح الأحمر” و"العنب الأحمر”، وحتى “التين الأحمر” و"التين الشوكي الأحمر”.
وهكذا تبقى الفواكه الحمراء أكثر من مجرد محاصيل موسمية، إنها صفحات من ذاكرة الصيف الجزائري، وحضورها يتجاوز قيمتها الغذائية، فهي لا تمثل غذاءً فحسب، بل ترتبط أيضًا بعادات اجتماعية وذكريات جميلة، إذ كانت العائلات الجزائرية بصفة عامة، والقالمية بصفة خاصة، تجتمع حولها في السهرات الصيفية، ولا تزال كذلك. فتغدو رمزًا للبساطة والكرم ومتعة الأيام الدافئة، وهي جزء من المشهد الاجتماعي والثقافي للمجتمع الجزائري، ففي الأسواق يتنافس الباعة في عرض أجود الثمار، بينما يحرص المستهلك على اختيار أجوده.