من قصات الشعر ومساحيق التجميل إلى الهندام المحترم
تعليمات وزارة التربية تعيد ضبط سلوك التلاميذ داخل مؤسساتهم
- 157
نور الهدى بوطيبة
لم يعد الدخول المدرسي مرتبطا فقط بعودة التلاميذ إلى مقاعد الدراسة، واستئناف الدروس بعد عطلة طويلة، فمع فتح أبواب المؤسسات التربوية، تعود أيضا أسئلة قديمة بوجه جديد حول شكل المدرسة التي نريدها، وحدود ما يمكن أن يحمله التلميذ معه من اختياراته الشخصية، إلى داخل المؤسسة، فالهندام، تسريحة الشعر، مساحيق الزينة، نوعية الملابس، وحتى بعض التفاصيل التي قد تبدو بسيطة خارج المدرسة، تتحول داخل الفضاء التربوي، إلى جزء من نقاش أوسع، يتعلق بالانضباط واحترام المؤسسة وهيبتها، وبين تلميذ يرى في مظهره مساحة للتعبير عن شخصيته، ومؤسسة ترى أن لها قواعدها الخاصة، يظهر السؤال الحقيقي حول الحدود التي ينبغي أن تفصل بين الحرية، الشخصية ومتطلبات الحياة المدرسية، وقواعد الانضباط العام، بعيدا عن الفوضى وغياب التأطير.
في الوقت الذي أصبحت صورة المراهق مرتبطة بشكل متزايد، بما يراه يوميا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وما تعرضه منصات الموضة ومشاهير الأنترنت، تجد المدرسة نفسها أمام جيل يتغير بسرعة في ذوقه وطريقة تعبيره عن نفسه، وحدود التعبير عن ذلك، وهو ما يجعل مسألة المظهر أكثر من مجرد حديث عن لباس أو قصة شعر، فالمدرسة ليست فضاء محايدا، مثل الشارع، وإنما مؤسسة لها قواعدها ورموزها وعلاقاتها، لذلك فإن تنظيم مظهر التلميذ يدخل ضمن تصور أوسع، لتنظيم الحياة داخلها، خصوصا عندما ترى الوزارة الوصية أن الانضباط واحترام القانون، من الشروط التي تسمح بالحفاظ على مناخ تربوي هادئ ومحفز على التعلم، بعيدا عن مظاهر اللباس الغريب، والذي لا علاقة له بمؤسسة تربوية.
الهندام الموحد ينظم الحياة داخل المدرسة
يأتي هذا النقاش، في سياق تحضيرات الدخول المدرسي 2026-2027، حيث أعلنت وزارة التربية الوطنية، قبل أيام، عن اعتماد نموذج موحد للنظام الداخلي للمؤسسات التربوية، مع التشديد على تطبيقه بصفة صارمة وشاملة عبر المؤسسات، وإلزام مختلف مكونات الأسرة التربوية، من تلاميذ وأساتذة وموظفين وأولياء، بالتقيد بأحكامه، بهدف ضبط وتنظيم الحياة المدرسية وحفظ النظام وصون مناخ المدرسة والبيئة التربوية، كما جددت الوزارة بعدها، التأكيد على تفعيل النظام الداخلي الموحد، الذي تم اعتماده مؤخرا، وربطته بالحفاظ على المؤسسة التربوية كفضاء هادئ وآمن، يؤدي وظيفته التربوية.
وضمن الأحكام المتعلقة بمظهر التلميذ، برزت تعليمات أثارت اهتماما واسعا، مع بداية الموسم الدراسي، إذ تمنع داخل المؤسسات التربوية مظاهر، من بينها قصات الشعر الغريبة، استعمال مساحيق الزينة، ارتداء القبعات، والملابس الممزقة أو المنافية للآداب العامة، وغيرها من الأزياء غير الرسمية، كما تربط القواعد العامة بمظهر لائق ونظيف، يتناسب مع الوسط المدرسي، وهي تفاصيل تعيد الهندام إلى صلب النقاش، حول الانضباط المدرسي، بعدما كان يُنظر إليه في كثير من الأحيان، على أنه شأن شخصي لا يتجاوز حدود الأسرة.
التعليمات لا تقف عند المسموح والممنوع
حول هذا الموضوع تحدث الأستاذ في الاجتماع التربوي، خالد عيان، لـ«المساء”، قائلا: “إن التعليمات لا تتوقف عند تعداد ما هو مسموح وما هو ممنوع، لأن القضية في جوهرها، تتعلق بالعلاقة بين الفرد والمؤسسة، وبكيفية تعامل المجتمع مع قواعد الفضاءات المختلفة”، مضيفا أن “التلميذ يدخل المدرسة محملا بثقافة أسرته وذوقه الشخصي، وما يكتسبه من محيطه، لكنه في الوقت نفسه، يدخل مؤسسة لها وظيفة تربوية تقوم على تعليمه الالتزام بالقواعد واحترام الآخرين، والتمييز بين ما يليق بفضاء معين وما قد يكون مقبولا في فضاء آخر”، مشددا على أن هذه التعليمات موجودة أساسا، لكن تم التشديد عليها، لتنظيم وتأطير البيئة التربوية.
وأضاف محدث “المساء”، أنه “لابد من النظر إلى الهندام المدرسي كجزء من عملية التنشئة الاجتماعية، فالمدرسة لا تنقل المعارف فقط، بل تعلم أيضا سلوكات وقواعد وأنماط تعامل، تساعد الطفل والمراهق على فهم موقعه داخل المجتمع، ومن هذه الزاوية، يصبح تنظيم المظهر مرتبطا بفكرة أوسع، وهي تعليم التلميذ أن الحرية لا تعني غياب القواعد، وأن لكل مؤسسة خصوصيتها وحدودها، لكن نجاح هذه القواعد يبقى مرتبطا بطريقة تطبيقها وقدرة المدرسة على شرح الغاية منها، وليس بمجرد تحويلها إلى أوامر وعقوبات”، يؤكد المختص.
ويزداد هذا الجانب أهميةو مع مرحلة المراهقة، يؤكد الأستاذ، والتي يصبح فيها المظهر وسيلة واضحة للتعبير عن الذات، والانتماء إلى مجموعة معينة، فاختيار قصة الشعر الغريبة أو اللباس غير المألوف وطريقة وضع الزينة، قد لا يكون في نظر المراهق مجرد تقليد للموضة، بل وسيلة لإثبات الشخصية والحضور وسط الأقران، لذلك فإن منع بعض المظاهر، يوضح المحدث، داخل المدرسة، قد ينظر إليه بعض التلاميذ باعتبار أنه تدخل في مساحة شخصية، بينما تراه المؤسسة جزء من المحافظة على هوية المكان وانضباطه، وهنا تظهر الحاجة إلى التوازن بين القاعدة التربوية، وطريقة تقديمها وتنفيذها.
الانضباط تعبير عن هوية المؤسسة التربوية
تكشف هذه المسألة أيضا، عن تغير العلاقة بين المدرسة والمجتمع، يضيف خالد عيان، فالمؤسسة التربوية لم تعد وحدها التي تصنع صورة التلميذ، فالهواتف ومواقع التواصل والمنصات الرقمية، أصبحت تؤثر في الذوق العام وفي مفهوم المظهر المقبول لدى المراهقين، وما يعتبره جيل من الآباء مظهر مبالغ فيه، قد يراه الأبناء أمرا عاديا، والعكس صحيح، لذلك فإن المدرسة تجد نفسها مطالبة بالتعامل مع تحولات اجتماعية وثقافية لا تصنعها هي، لكنها تجد آثارها يوميا داخل الأقسام والساحات.
في المقابل، يضيف الأستاذ عيان، فإن الحديث عن هيبة المدرسة لا ينبغي أن يُختزل في هندام التلميذ وحده، فالهيبة تبنى أيضا من خلال جودة التعليم، وعلاقة الأستاذ بالتلميذ، واحترام القانون داخل المؤسسة، ونظافة المحيط، وعدالة التعامل، وضمان أن تكون القواعد نفسها مطبقة بطريقة واضحة على الجميع، وعلى كافة المؤسسات التربوية، لذلك فإن النظام الداخلي الموحد عندما يلزم التلاميذ باحترام قواعد المظهر والسلوك، يضع في المقابل مختلف أطراف البيئة التربوية داخل منظومة واحدة من الحقوق والواجبات، وهو ما يجعل الانضباط مسؤولية جماعية، وليست مهمة تلقى بالكامل على التلميذ.
للإشارة، أكدت وزارة التربية في تحضيرات الدخول المدرسي، أن حماية المؤسسة التربوية وتعزيز مكانتها، وتوحيد النظام الداخلي، وتعزيز الانضباط وترسيخ ثقافة احترام القانون، تدخل ضمن الأولويات الرامية إلى حفظ هيبة المدرسة الجزائرية وتوفير بيئة تربوية آمنة ومحفزة على التعلم، كما شددت على أن النظام الداخلي الموحد، يشمل جميع الأطراف الفاعلة داخل المؤسسة، وهو ما يعطي للموضوع بعدا أوسع من مجرد تنظيم مظهر التلميذ.