رحلة هروب من واقع المدينة إلى سحر الطبيعة

"تلفريك"عنابة.. شراع يعانق سماء سرايدي الشتوي

"تلفريك"عنابة.. شراع يعانق سماء سرايدي الشتوي
  • 181
سميرة عوام سميرة عوام

تنساب عربات "تلفريك" مدينة عنابة في كبد السماء، معلنةً بداية رحلة الهروب الكبير من صخب الحاضر وضجيج الشوارع الصاخبة، لترتمي في أحضان الطبيعة العذراء، التي تتلحف بوشاح الشتاء الأبيض، في أعالي سرايدي الشاهقة.

مع كل إشراقة شمس شتوية، أو حلول عطلة نهاية أسبوع، يتحول هذا الجسر الهوائي المعلق، إلى قبلة للأرواح التواقة للسكينة، حيث تقلع الرحلة من قلب "بونة" العتيقة، لترتفع شيئاً فشيئاً في مشهدٍ درامي يحبس الأنفاس، يمتزج فيه عبق التاريخ، الذي تنطق به البنايات العريقة بزرقة البحر الأبيض المتوسط، ويبدو من الأعلى كمرآة تعكس كبرياء السماء. وما يميز هذه التجربة حقاً؛ قيمتها المادية، إذ تظل أسعار التذاكر رمزية وفي متناول الجميع، مما جعل من هذه المغامرة الجوية حقاً مستحقاً لكل عائلة بسيطة، وعاملاً جوهرياً في تعميم السياحة الجبلية، التي لا تفرق بين غني وفقير.

حين تصبح العربات مرسماً للمبدعين

بمجرد أن تغادر العربة المحطة السفلى، يبدأ المشهد في التحول الجذري من واقعية المدنية بأسواقها وازدحامها، إلى الشاعرية الطبيعية المذهلة، حيث تبدأ غابات الفلين، البلوط، والكرز الجبلي في الظهور كبساط زمردي، منسوج بإحكام فوق منحدرات جبل "إيدوغ" الأشم. في هذا الفصل البارد، لا تقتصر الرحلة على السياح العاديين، بل أصبحت محجاً لتلاميذ المدارس، الذين يملؤون العربات بهمساتهم وضحكاتهم، في رحلات استكشافية تربوية، تهدف إلى ترسيخ قيم الحفاظ على البيئة في نفوسهم الناشئة. كما تحول "التلفريك" إلى "مرسم معلق" للفنانين التشكيليين و"محبرة جوية" للشعراء، الذين يجدون في عناق الضباب للقمم، إلهاماً صوفياً لا ينضب؛ فهنا يمتزج صمت الجبل العميق بصوت الرياح، وهي تداعب النوافذ، مما يحول الدقائق القليلة للرحلة إلى تجربة شعورية، تتجاوز في جمالها أعتى الروايات الأدبية، حيث يجد الفنان نفسه وجهاً لوجه مع عظمة الخالق في لوحة طبيعية حية.

أرض سرايدي.. جنة الثمار المنسية

عند بلوغ المحطة العليا، يجد الزائر نفسه، وقد وطأت قدماه أرض "سرايدي"، تلك القرية المعلقة التي تتربع على عرش الجمال، وتلبس تاج الغمام الشتوي. هنا، تختلف كيمياء المكان تماماً، حيث ينساب الهواء المنعش المشبع برائحة التراب المبلل، ليعيد صياغة الشعور من جديد. تتحول الغابات المحيطة بالقرية إلى خلية نحل حقيقية، يمتزج فيها المرح بالبحث عن كنوز الأرض؛ فتجد الأطفال يتسابقون بوجناتهم المحمرة من شدة البرد، لقطف حبات "البلوط" المتساقطة وفاكهة "اللنج" (الساسنو) الحمراء، التي تنضج في تحدٍ صارخ للصقيع، إلى جانب ما تجود به الطبيعة من ثمار شتوية برية، يحرص الزوار على جمعها في سلال قصبية، كذكريات حية ومذاقات أصيلة تنبع من صيدلية الطبيعة العذراء. إنها ثقافة القطف التي لم تندثر، بل تتجدد بفضل هذا الربط الجوي الذي سهل وصول العائلات إلى هذه المكنونات الغابية، التي لا تقدر بثمن.

سحر الأطباق بمطعم "الحاجة"

لا يمكن أن تكتمل فصول هذه الرحلة الأسطورية في سرايدي، دون تلبية نداء البطون التي أرهقها هواء الجبل العليل، حيث تتسابق العائلات والوفود السياحية نحو المطاعم التقليدية، التي تفوح منها روائح التوابل الأصيلة لتعيد الدفء للأجساد المرتجفة. ويتربع "مطعم الحاجة" الشهير على عرش هذه الوجهات، حيث تحول بمرور الزمن، إلى معلم سياحي وتراثي، يقصده القاصي والداني؛ هناك، تلتف العائلات في حلقات دافئة حول موائد “الشخشوخة العنابية” الحارة، المزينة بقطع اللحم المطهوة في قدور الفخار، و«البوراك العنابي” الملكي، الذي يتربع على المائدة، بقرمشته الشهيرة وحشوته الغنية، فضلاً عن رائحة الشواء التي تعبق في الأرجاء وتختلط برائحة خشب البلوط المحترق في المدافيء القديمة. 

قمم الإيدوغ حارس بونة الوفي

هذا التدفق السياحي الهائل والمستمر، الذي يجمع بين براءة التلاميذ، خيال الفنانين، وحنين العائلات للأصالة، يؤكد أن "تلفريك" عنابة، هو أكثر من مجرد وسيلة نقل ميكانيكية؛ إنه شريان حياة حقيقي يضخ الأمل والحيوية في عروق المرتفعات. لقد نجح هذا المرفق، بفضل تكلفته البسيطة، في كسر حواجز العزلة، وجعل من سياحة القمم تجربة شعبية بامتياز، حيث تلتقي ثقافة القطف التقليدي بمتعة الأكل الأصيل في تناغم قل نظيره. ومع حلول المساء، حين تبدأ أنوار مدينة عنابة في التلألؤ في الأسفل، كعقد من الماس منثور على شاطئ ليلى، تعود العربات محملةً بقلوبٍ امتلأت بالسكينة، وجيوبٍ امتلأت بما طاب من ثمار الإيدوغ، تاركةً وراءها قمم سرايدي، تحرس أحلام المدينة الغافية، بانتظار فجر شتوي جديد، يجدد العهد مع الجمال المعلق بين السماء والأرض، ليظل "التلفريك" شاهداً على عشق العنابيين لمرتفعاتهم الشامخة.