المهرجان الوطني للإبداع النسوي يحيي جذور الذاكرة الفنية
جهود للمحافظة على التراث الجزائري
- 114
أحلام محي الدين
احتضنت فيلا بولكين، بالعاصمة، على مدار أسبوع كامل، فعاليات المهرجان الوطني للإبداع النسوي، بمشاركة قرابة 80 حرفية ومبدعة في مجالات الحلي والمجوهرات، النسيج، الفخار، الطهي، الموسيقى وغيره، قدمن من مختلف ولايات الوطن، حملن معهن تحفا أبدعن في صنعها بأناملهن، تحت قيادة الشغف والصبر، حيث تروي كل قطعة، قصة ليال وساعات طويلة قضيت في التأمل، لتكتمل القطعة وتشع جمالا، لوحات فنية، ألبسة وحلي تقليدية في قمة الجمال، قصص إبداع متواصلة حطت الرحال بين أجنحة القصر، لتروي تفاصيل شغف الجزائرية بالجمال في ميادين شتى، "المساء"، نقلت بعض هذه الصور الإبداعية لقرائها ضمن هذا الربورتاج.
إحياء لجذور الذاكرة الحرفية
“تكنو” تفتح أبواب الإبداع المجاني لتخليد المهن التقليدية
أوضحت الأستاذة عقيلة بوشنة، مختصة في الفن بورشات عين البنيان، أشرفت على الورشة المفتوحة لتعليم السيدات بالمهرجان، في تصريح لـ"المساء”، أن سلسلة محلات "تكنو" تواصل بصماتها المميزة في دعم الفنون والحرف اليدوية، عبر تنظيم ورشات تكوينية مجانية مفتوحة طوال العام، وفي مختلف فروعها عبر الوطن. تأتي هذه المبادرة، في سياق انخراط المؤسسة في الفعاليات الوطنية الكبرى، لاسيما مشاركتها البارزة في الطبعة الحادية عشرة للمهرجان الثقافي الوطني، تحت شعار “إحياء الحرف المتجذرة في التراث الجزائري، وإعادة إحيائها من جديد".
أوضحت الأستاذة بوشنة، التي قدمت أعمالا مختلفة لتلامذتها من مختلف الأعمار، أن ورشات "تكنو" لا تقتصر على فئة دون أخرى، بل تستهدف مختلف شرائح المجتمع، من أطفال وشباب متمدرسين، وفئات ما قبل التقاعد. تقول: "تتيح هذه الورشات للمتربصين، فرصة التعلم والتطبيق، تحت إشراف نخبة من الأساتذة والمختصين، الذين يرافقون المشاركين خطوة بخطوة”، مضيفة أن برنامج التكوين يشمل محاور متعددة، تتوزع حسب التخصصات، بداية من الرسم على الزجاج، الخشب واللوحات القماشية (الكتان)، مرورا بالرسم على الجلود والأقمشة، وصولا إلى الفنون العريقة المرتبطة بالذاكرة الجزائرية.
شهد جناح "تكنو" في المهرجان، إقبالا جماهيريا واسعا، حيث أبدى الزوار، إعجابهم الكبير باللوحات والقطع المعروضة التي استحضرت رموز التراث الأصيل، على غرار "الكاراكو"، "حايك المرمى"، وامرأة تفتل الكسكسي، إلى جانب الفنون اليدوية المرتبطة بالخيوط والحواشي و"الكروشيه". إذ أوضحت الأستاذة عتيقة، أن مؤسسة "تكنو"، وفي خطوة عملية لضمان استدامة هذه الحرف، أعلنت عن فتح ورشات الخياطة ضمن فروعها، لتوفير البيئة المتكاملة لكل مهتم بصناعة وابتكار قطع فنية يدوية.
أشارت الأستاذة عتيقة، إلى أن هذه المبادرة، نجحت في خلق جسر متين بين أصالة الماضي وتطلعات الحاضر، فقد أظهر الناشئة والشباب شغفا ملحوظا بالانضمام إلى الورشات، مؤكدين أن الرغبة في تعلم الحرف التقليدية وإتقانها، لا تزال حية في وجدان الأجيال. ومن خلال جدول زمني مرن، يناسب مختلف الانشغالات، بما في ذلك أيام الثلاثاء والسبت، تتيح “تكنو” لكل شغوف، فرصة صقل مواهبه، لتتحول الورشات إلى حاضنة حقيقية للمواهب، ومشتلة لتخريج حرفيين قادرين على صون الموروث الثقافي الجزائري، وحمايته من الانقراض.
إبداعات تتحدى الإعاقة
عبد الصمد يطوع الفن بلمسة خاصة
في مشهد يعبق بالإبداع والإرادة الصلبة، يبرز اسم الشاب عبد الصمد عبد الكريم، من أصحاب “متلازمة داون”، كفنان تشكيلي استثنائي، يمتلك بصمة فريدة تتخطى المألوف. لم تقتصر موهبة عبد الصمد على اللوحات التقليدية، بل امتدت لتطال مختلف المحامل الفنية، بفضل دعم والديه المتواصل ورعايتهما، حيث أكد في تصريح لـ"المساء”، أنه يطمح لتعليم أبناء “التريزوميا” تفاصيل هذا الفن الإبداعي.
يتميز الفنان عبد الصمد، بقدرته العالية على الرسم باستخدام الألوان الزيتية على شتى أنواع المحامل. وتتنوع أعماله لتشمل الفنون التشكيلية التقليدية، إذ قدم لوحات تجسد معالم دينية وتاريخية بارزة، مثل مكة المكرمة والكعبة المشرفة، إلى جانب الزخارف المتنوعة وأزهار الربيع. كما حملت أعماله التراث الجزائري الأصيل، موضحا أنه يسعى إلى إبراز الهوية الوطنية، من خلال رسم لوحات مستوحاة من التراث الصحراوي، مثل زربية غرداية العريقة.
الفنون التطبيقية والزخرفية كانت حاضرة أيضا، إذ أبدع فيها الفنان عبد الصمد، من خلال الرسم على الزجاج، الصواني (البلاطوات)، الأطباق الخزفية، والحقائب اليدوية بلمسات فنية متقنة، وأضاف أنه أبدع في أعمال وطنية خالدة، من خلال التوثيق للمناسبات الوطنية، عبر أعمال تعبر عن الاستقلال والسلام، كرسومات حمامات السلام، إضافة إلى لوحات تخلد ذكرى أول نوفمبر وفلسطين الصامدة.
سجل الفنان عبد الصمد، حضورا بارزا، خلال مشاركاته المستمرة في ورشات “تكنو”، فضلا عن بصماته الواضحة في الطبعة الحادي عشرة للمهرجان الثقافي الوطني لإبداعات المرأة. فقد لفت الأنظار بتنوع معروضاته، التي جمعت بين دقة الريشة وجماليات التراث الجزائري، من جنوبه إلى شماله. لا يقف طموح الفنان عبد الصمد عند حدود الإنجاز الفني الشخصي، بل يحمل رسالة نبيلة للمجتمع، إذ يطمح مستقبلا، لأن يكون معلما يكرس جهوده لتعليم أطفال “متلازمة داون”، ناقلا لهم شغفه وفنه على مختلف المحامل، ليثبت بذلك أن الإبداع الإنساني لا يعترف بالصعاب، وأن الإرادة تصنع المعجزات.
الأستاذة الحرفية وداد الغبريني:
النقش والزخرفة إرث توارثته الأجيال
عرضت الأستاذة والحرفية وداد توات الغبريني، أستاذة اللغة الفرنسية، قطعا في قمة الإبداع والجمال، من أعمالها الفنية، زينتها النقوش والزخرفة، كرست عقودا من عمرها لخدمة التربية والتعليم، وقررت أن تعانق الشغف وتتفرغ كليا لفن النقش والزخرفة على الخشب والورق والخزف، بعد التقاعد.
أكدت الأستاذة وداد، في تصريح لـ"المساء”، أنها، بعد مسيرة تعليمية امتدت لـ 27 عاما من العطاء في حجرات الدرس، تستعد لخطوة الانتقال نحو التقاعد، لتضع بصمتها الكاملة في عالم الفنون التقليدية. بدأت رحلتها الاحترافية في التكوين سنة 2023، على يد قامات كبرى في هذا المجال، وهما الأستاذان القديران مصطفي أجاووت ومرزاق مزوان، اللذان صقلا مهاراتها ورفعا من مستوى أدائها الفني.
لم تقتصر أعمال وداد على الجانب النظري، بل تجسدت في معارض جماعية هامة، طافت بأبرز الصروح الثقافية في العاصمة، فقد شاركت في معارض متحف “خداوج “ بالقصبة العليا، والمتحف الوطني للفنون الجميلة، وقصر الثقافة، وصولا إلى المعرض الأخير في جامع الجزائر الأعظم، الذي شاركت في زينته.
أشارت وداد، إلى أن أعمالها الفنية متنوعة، شملت الزخرفة النباتية والهندسية، وخطوط الفن العربي، ضمن قالب معاصر تطلق عليه اسم “الحروفيات”. ولا تقتصر جهودها على إنجاز قطع جديدة فحسب، بل تمتد لتشمل تجديد الأثاث الجزائري القديم ذي الطابع الأصيل، مؤكدة على مبدأ أن “الجديد حبو والقديم لا تفرط فيه، بل يجدد لتبقى حرفة اليدين حية بين الأجيال”.
إقبال واسع ورسالة نبيلة للشباب
في خطوة تعكس التزامها بنشر رسالة الفن والثقافة، نظمت الحرفية مؤخرا، معرضا خاصا ودورة تكوينية في المتحف العمومي للزخرفة والمنمنمات والخط العربي بالقصبة السفلى. وقد شهدت الدورة إقبالا منقطع النظير من مختلف الشرائح العمرية، مبدين رغبة حقيقية في تعلم هذه الصنعة اليدوية النبيلة، خلال أيام العطلة. ترى وداد أن ممارسة هذا الفن خارج أوقات العمل، لم تكن يوما عبئا، تقول: “بل كانت علاجا نفسيا وملاذا هادئا ينسي الإنسان ضغوط وهموم الحياة اليومية، فقد كنت أقضي ساعات الليل المتأخرة في ورشتي، مستمتعة بجمال الخشب والنقش، بعد أن ينام أطفالي، حتى أسمع صوت آذان الفجر”.
وفي ختام حديثها، دعت الفنانة وداد توات الغبريني، الشباب الجزائري، إلى اغتنام الفرص الهائلة التي توفرها الدولة حاليا، عبر مراكز التكوين المهني ومنصات التكوين الرقمية المتاحة مجانا، “مثل منصة (formation.dz)، والتي تتيح للشباب تعلم مختلف الحرف، كالنقش على الخشب، صناعة السيراميك، الذكاء الاصطناعي، الحلاقة وغيرها من الميادين.
"تمنطيط” تزين مهرجان الإبداعات النسوية
الفخار الأسود.. تراث عريق يقاوم الاندثار
في مشهد يعبق بالأصالة والتاريخ، تتألق ولاية أدرار في الطبعة الحادية عشرة للمهرجان الثقافي الوطني لإبداعات المرأة، حاملة في جعبتها عبق التراث الجنوبي الأصيل. وتبرز بين جنبات المعرض بصمة الحرفية المتميزة، السيدة برناوي غالية، معلمة فن صناعة الفخار التقليدي ببلدية تمنطيط، لتسلط الضوء على أحد أبرز ملامح الموروث الثقافي الجزائري، الذي يصارع الزمن للبقاء.
أوضحت السيدة برناوي، أن الفخار الأسود لبلدية تمنطيط، تحفة فنية قائمة بذاتها، حيث يتميز بتقنية دقيقة، تعرف محليا بتقنية “قلم الرصاص”، وهي اللمسة الفنية التي تمنح هذه المنتجات فرادتها وهويتها البصرية البارزة. موضحة أن هذا الفن يمر عبر مراحل دقيقة وشاقة، تتطلب صبرا ومهارة عالية. لم تكتفِ الغالية بعرض المنتجات الجاهزة، بل حرصت على نقل تفاصيل الحرفة للجمهور والزوار، من خلال “ورشات حية” تقدم شرحا تطبيقيا لخطوات صناعة الفخار وتشكيله. وتهدف هذه المبادرة الحية، إلى خلق جسر تواصل مباشر بين الموروث والجمهور، وتمكين المهتمين من اكتشاف أسرار هذه الصنعة اليدوية المتوارثة.
وعن مدى إقبال الأجيال الصاعدة على هذه الحرفة العريقة، تشير السيدة برناوي، إلى تفاوت الاهتمام بين فئة وأخرى، إذ تبدي نسبة من الشباب رغبة، جادة في تعلم أسرار الفخار وتمارس الورشات بشغف، بينما يكتفي آخرون بالاستكشاف والمعرفة النظرية. وفي هذا السياق، تؤكد الحرفية لزوارها، رسالتها الدائمة: “الحرفة في اليدين خير من ميراث الجدين”، داعية الشباب والفتيات إلى ضرورة اكتساب الصنعة وحماية التراث من الاندثار.
إيمان بن عمر تبدع في توثيق التراث الجزائري
مزج فريد بين التاريخ والفن وتعليم النشء
في خطوة مبدعة، تهدف إلى صون الهوية الثقافية وحفظ الذاكرة الجماعية للأمة، نجحت السيدة إيمان بن عمر، في ابتكار مشروع ثقافي وتعليمي متميز، يعيد إحياء التراث الجزائري الأصيل. يجمع هذا المشروع بين دقة التاريخ وسحر الفنون اليدوية، ليكون بمثابة جسر تربوي يربط الماضي العريق بأجيال الحاضر والمستقبل.
تعتمد فكرة المشروع الأساسية لإيمان بن عمر، على توثيق العناصر التراثية الأصيلة، التي تزخر بها الجزائر. ولم تكن التصاميم وليدة الخيال البحت، بل مستوحاة مباشرة من الواقع المعيش والتاريخ العريق، حيث قامت إيمان بجمع صور حقيقية وموثقة من التراث، ثم إعادة صياغتها ورسمها خصيصا، لتتحول إلى كتب تلوين تعليمية.
وعن هذا الاختيار، تقول إيمان: “أنا حريصة على الحفاظ على الأصل، خاصة للأطفال، لكي ينشأ الطفل الصغير وهو يتعرف على موروثنا”. ويهدف هذا الأسلوب إلى جعل الطفل يتفاعل مع الهوية البصرية لبلاده، منذ نعومة أظفاره، حيث لا تقتصر الكتب على التلوين فحسب، بل ترفق بشروح ومراجع وتفاصيل دقيقة حول كل قطعة تراثية، مثل لباس “الطاووس” التقليدي وغيره، مما يرسخ المعرفة في الذاكرة بأسلوب تفاعلي ممتع.
يضم هذا الإصدار الفريد، تنوعا مذهلا، يغطي شتى أشكال الزخرفة والحرف اليدوية التقليدية، التي تعكس أصالة الجزائر، ومن أبرزها الزخارف المتنوعة، إذ تشمل التطريز التقليدي، الحلي، والنحاس، وكذا الصناعات التقليدية، حيث تبرز الفنون العريقة، مثل الفخار، الزليج الجزائري الأصيل والألبسة التقليدية، ديكورات البيت والفرش، إذ توثق تفاصيل المفروشات والزرابي والزرابي اليدوية والأثاث التقليدي.