التحضير النفسي نصف مشوار النجاح في البكالوريا.. مختصون:

حذار من التشويش الرقمي والمقارنات الاجتماعية

حذار من التشويش الرقمي والمقارنات الاجتماعية
  • 106
رشيدة بلال رشيدة بلال

❊ دعوة إلى المرافقة الهادئة للأبناء

❊ تأكيد على الحماية الرقمية لجيل التكنولوجيا.

مع اقتراب موعد إجراء امتحان شهادة البكالوريا، الذي لم يبق عن موعده سوى أيام معدودة، يزداد معدل القلق والاضطراب والخوف والشعور بعدم الارتياح، بل أكثر من ذلك، يدخل بعض التلاميذ في حالة من التوتر، تجعلهم يعتقدون بأنهم لم يراجعوا جيدا، أو أنهم قد نسوا ما راجعوه من دروس، ومن هنا يظهر الدور المحوري للأولياء في المرافقة والمتابعة من جهة، والحاجة الملحة للتحضير النفسي، الذي أكد مختصون أنه يمثل 50 بالمائة من نسبة نجاح التلميذ. «المساء” رصدت انطباعات التلاميذ وتوجيهات المختصين، خلال الأيام الأخيرة، التي تسبق إجراء هذا الامتحان الذي يُصطلح على تسميته بـ"المصيري"، لافتكاك تأشيرة التأهل للانتقال إلى الحياة الجامعية.

التقت “المساء” بعدد من التلاميذ من الشعب العلمية والأدبية بثانوية “محمد بوضياف” ببلدية العفرون ولاية البليدة، ومن خلال الدردشة مع عدد منهم، تباينت المخاوف من تلميذ إلى آخر، ففي الوقت الذي عبّر فيه بعضهم عن شعوره بالخوف الشديد من عدم النجاح، رغم التحضير الجيد، عبّر آخرون عن شعورهم بعدم الارتياح، لاعتقادهم بأن ما تم حفظه لا يشعرون بوجوده في ذاكرتهم، وأن أكبر هاجس لديهم هو الخوف من عدم القدرة على استرجاع المعلومات، التي عملوا على تخزينها طيلة الفترة الماضية.

بينما ذهب البعض الآخر إلى أبعد من ذلك، حيث علّقوا مخاوفهم على عدم القدرة على تحصيل المعدل المناسب، الذي يسمح لهم باختيار التخصصات التي يرونها مناسبة، وكأنهم بذلك يجزمون بأن الانتقال مضمون، وأن التحدي يكمن فقط في المعدل، في حين حصر آخرون مخاوفهم في عدم القدرة على إسعاد أوليائهم، الذين تعبوا طيلة المشوار الدراسي معهم، من أجل تأمين كل ما يحتاجون إليه. وغيرها كثير من المبررات التي تصب في مجملها في خانة الخوف، الذي أصبح مصاحبًا لهم فيما تبقى من أيام تفصلهم عن هذا الامتحان المصيري.

وحول ما إذا كانت هذه المخاوف طبيعية، أم أن هؤلاء في أمس الحاجة إلى التحضير النفسي، أكد البروفيسور ربيع عبزوزي، المختص في علم النفس الاجتماعي والإرشاد الأسري، بأن كل ما يشعر به الطلبة، بعد مرور مدة من التحضير الجيد، تحسبًا لاجتياز شهادة البكالوريا، هو أمر طبيعي مصاحب لفترة الامتحان، وأن من غير الطبيعي غياب هذا الشعور، موضحًا أن الإحساس بعدم الجاهزية، أو الاعتقاد بأن ما تم تحضيره غير موجود في الذاكرة، أمر شائع لدى أغلب التلاميذ.

وأشار إلى أن كل تلميذ لا بد أن يدرك يقينًا، أن لديه مستوى معينًا من الذكاء فوق المتوسط، يسمح له بتحصيل شهادة البكالوريا والنجاح، وإنما المشكل يتمثل في نوعية الضغط النفسي الذي يعيشونه قبل الاختبارات، أو ما يسمى بالتشويش الذهني والفوضى الرقمية، في ظل الاستعمال المكثف للهاتف النقال وما يحويه من تطبيقات، إلى جانب المقارنات الاجتماعية التي تهز ثقة التلميذ بنفسه، ناهيك عن الخوف الكبير من الفشل ونظرة الأهل عند الإخفاق.

وأضاف أن ما يجب أن يفهمه التلميذ، هو أن البكالوريا ليست معركة، وإنما مرحلة انتقالية تحتاج إلى التحلي بالمسؤولية الكاملة، لبلوغ المشروع المنتظر، وهو النجاح. فالشعور بالخوف مبرر، لكن يجب ألا يسيطر على التلميذ أو يتحكم فيه، بل يحتاج إلى التحلي بالقليل من الصبر والكثير من روح المسؤولية، والقدرة على إدارة القلق، من خلال التحكم في بعض التصرفات التي تصاحب هذا الشعور، مثل الاضطراب وعدم القدرة على التركيز.

وأشار في السياق ذاته، إلى أن كل المخاوف التي يشعر بها الطالب، لها علاقة بالاستعداد النفسي والمرافقة العائلية، لذلك ـ يقول المختص ـ فإن النجاح الأول الذي يتم الرهان عليه قبل الامتحان، هو النجاح النفسي، من خلال الاستعداد الذهني، وهو ما يسمى بـ«الحديث الداخلي”، أي الطريقة التي يتحدث بها التلميذ مع نفسه، عندما يقنعها بأنه غير قادر أو أن المعدل الذي يرغب فيه لن يناله، أو أن ما حفظه سيجد صعوبة في تذكره، وهي كلها أمور غيبية، في حين يفترض أن يقنع نفسه بأنه حضّر جيدًا وأنه يتطلع إلى بلوغ النجاح.

وفي السياق نفسه، طمأن المختص التلاميذ بأن كل ما يشعرون به من اضطراب في النوم وعصبية وقلق وفقدان الشهية، هي أمور طبيعية تسمى "الإرهاق ما بعد القدرة الطبيعية"، لأن لكل نفس بشرية قدرة معينة على الاستيعاب، موضحًا أن الإرهاق يعني أن التلميذ وضع نفسه في مرحلة أصبح فيها غير قادر على التحمل. ومن هنا تظهر أهمية التروي وتعلم اللياقة الذهنية، من خلال تبسيط الأمور والتحلي بالهدوء وإقناع العقل بأن الأمور تسير وفق ما تم التخطيط له، مع محاولة الابتعاد قدر الإمكان عن الهاتف النقال، وما يحمله من وسائط تعتبر، حسبه، المسؤول الأول عن التشويش.

ودعا التلاميذ إلى تدريب أنفسهم على نظام صارم في التعامل مع الهاتف النقال، الذي “يسرق 90 بالمائة من جهد التلميذ وطاقته العصبية”، لافتًا إلى أن البعض، يعتقد أنه يرفّه عن نفسه به أو يراجع من خلاله، لكن الحقيقة غير ذلك، لأنه في الواقع مصدر للتشويش.

رفع تحدي "الحمية الرقمية"

يرى المختص الاجتماعي، البروفيسور عبزوزي، أنه إلى جانب ما يسمى بالحمية الغذائية والدوائية، هناك أيضًا ما يسمى بـ«الحمية الرقمية” لجيل التكنولوجيا المقبل على اجتياز شهادة البكالوريا، بالتالي فإن على كل راغب في النجاح، خلال الفترة القصيرة المتبقية، غلق كل الإشعارات الموجودة على الهاتف، المرتبطة بمختلف مواقع التواصل الاجتماعي، لأنها مسؤولة عن التشويش العقلي والاستنزاف الذهني.

كما دعا إلى تحديد أوقات معينة لاستعمال الهاتف والتعامل معها بصرامة، كأن يتم استعماله لمدة نصف ساعة فقط، للبحث عن درس أو مرجع، لأن ساعة تركيز واحدة في اليوم أفضل بكثير من خمس ساعات، يعتقد فيها البعض أنهم يراجعون، بينما هم في الحقيقة لا يحصّلون أي معلومة، بسبب التشتت الناتج عن الاتصال المباشر بالهاتف، والاطلاع المستمر على ما يتم نشره أو مشاركته من الزملاء والأصدقاء والعائلة. كما شدد على ضرورة الابتعاد قدر الإمكان عن المقارنات التي تحولت، حسبه، إلى “العدو اللدود” الذي يهز ثقة الأبناء في أنفسهم، مؤكدًا أن لكل تلميذ فروقًا فردية وقدرات خاصة، وأن ما يشعرون به من اضطرابات هو مجرد نتيجة للضغط النفسي، وهي مرحلة انتقالية سرعان ما تزول بالصبر والابتعاد عن مصادر التشويش.