الخوارزميات تضع مستخدمي التكنولوجيات تحت المراقبة

حينما تتحول الخصوصية الشخصية إلى بضاعة رقمية

حينما تتحول الخصوصية الشخصية إلى بضاعة رقمية
  • 144
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

يفرض، اليوم، العالم الرقمي نفسه على أغلب تفاصيل الحياة اليومية. ويضع مسألة الخصوصية والأسرار الشخصية في صلب النقاش. وبات كل استخدام للهاتف أو التطبيقات أو لمواقع التواصل يُنتج بيانات، يتم جمعها وتحليلها بشكل مستمر، وهذا ما يطرح التساؤل: "هل يملك الفرد فعلا، السيطرة على معلوماته، أم أن هذه المعلومات أصبحت متاحة لجهات متعددة دون معرفة دقيقة لذلك؟ إذ بات التخوف من المراقبة غير المباشرة يلازم كل مستعمل للتكنولوجيات الحديثة، بعد أن أصبح من المستحيل التخلي عنها.

لا يختلف اثنان في أن الرقمنة، والأنترنت عامة، قدمت منذ اختراعها خدمات واضحة، وسهلت الوصول الى المعلومة، والتواصل والعمل. لكن في المقابل أصبحت البيانات الشخصية جزءا من هذا النظام المستخدم، يمنح التطبيقات أذونات. ويسمح بولوج خاصيات بعض الموقع إلى الكاميرا والميكروفون الشخصي، والاطلاع على الصور. ومن خلال هذا الاستخدام يتم جمع معطيات مرتبطة بالسلوك اليومي، على غرار ما يتم البحث عنه، وما يتم مشاهدته. وهي معلومات يتم تخزينها واستعمالها لاحقا من طرف جهات، قد تحتاجها لأمور اقتصادية ترويجية، أو حتى استخدامات سياسية..

ولقد باتت الخصوصية الفردية تتلاشى تدريجيا في عالم تحكمه الشاشات، وتسيّره الخوارزميات، إذ لم يعد الإنسان يعيش حياته بمعزل عن الفضاء الرقمي، بل أصبح جزءا منه يترك أثرا مع كل نقرة، وكل بحث، وكل تفاعل. وأصبح بذلك الجميع يعيش شكلا جديدا من المراقبة الصامتة التي لا نراها، لكنها تحيط بنا من كل جانب، حتى داخل بيوتنا، ووراء جدران إسمنتية.

وفي هذا الخصوص تحدثت “المساء” مع خبير في الأمن السيبراني، أنيس مزاغي، الذي قال إن الخصوصية اليوم، لم تعد مفهوما بسيطا كما كانت في السابق، بل أصبحت شبكة معقدة من التفاعلات بين المستخدم والمنصات الرقمية، مضيفا أن مواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات الحديثة تعتمد، بشكل كبير، على جمع البيانات، وتحليلها؛ من أجل تحسين الخدمات أو تحقيق أرباح عبر الإعلانات، لكن المشكلة، حسبه، تكمن في كيفية الاستخدام ومن يملك حق الوصول إلى تلك المعلومات حتى الأكثر سرية، والتي أقل ما يراد مشاركتها مع الأجانب، خاصة أن الدراسات تشير الى أن تطور الذكاء الاصطناعي بات يسرّع من وتيرة جمع وتحليل تلك البيانات بشكل غير مسبوق، وبشكل مخيف، على حد تعبيره.

وأشار المختص الى أن الخطر لا يكمن فقط في الشركات، بل، أيضا، في ضعف القوانين مقارنة بسرعة التطور التكنولوجي، حيث إن التشريعات غالبا ما تتأخر عن مواكبة هذا التسارع، ما يخلق فراغا قانونيا، يسمح باستغلال البيانات، وهو ما تؤكده تقارير أوروبية حديثة، تفيد بأن تطور وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي تجاوز قدرة التنظيم، ما يعرّض المستخدمين لخطر المراقبة، وسوء استخدام البيانات، إذ يستيقظ العالم كل يوم على تسرب معلومات جديدة، تفيد بالكشف عن أن العالم مراقَب، ولا وجود لكلمة خصوصية تتماشى مع استعمال التكنولوجيا.

ومن الأمثلة الواقعية التي تعكس هذا الخطر، يقول الخبير، التحذيرات التي انتشرت مؤخرا حول بعض تطبيقات سيارات الأجرة، والتي يقال إنها مرتبطة بأنظمة خارجية وحتى إسرائيلية، باتت تعمل بالشراكة مع التطبيق العالمي، والذي يوفر خدماته في الجزائر، إذ قد تتيح تتبُّع المواقع، أو تسريب معلومات المستخدمين، في منشورات تداولتها العديد من الصفحات، وهو ما أثار قلق المستخدمين في ظل غياب الشفافية الكاملة حول كيفية تخزين هذه البيانات التي يتم إرسالها. وأكد أن هذا النوع من التطبيقات يعتمد، بشكل أساسي، على الموقع الجغرافي، ما يجعل أي تسريب محتمل تهديدا مباشرا لسلامة المستخدم.

ولا تقف الأمثلة عند هذا الحد، يقول أنيس مزاغي، فقد “كشفت تقارير حديثة عن قيام بعض المنصات بمشاركة بيانات المستخدمين مع شركات أخرى دون موافقة واضحة، حيث تم اتهام تطبيق شهير بمشاركة بيانات حساسة، تشمل الصور، والموقع الجغرافي مع شركة للذكاء الاصطناعي، في قضية أثارت خلالها جدلا واسعا حول حدود الخصوصية. كما ظهرت قضايا أخرى تتعلق بتسريب بيانات محادثات المستخدمين في منصات الذكاء الاصطناعي (شات جي بي تي) الى جهات خارجية، ما يعزز المخاوف من أن ما نعدُّه خاصا، قد لا يكون كذلك فعليا، بل العكس؛ قد يصبح يوما من الأيام وسيلة تهديد، ومراقبة” .

وشدد المختص على أن الذكاء الاصطناعي يمثل سيفا ذا حدّين؛ فهو يعتمد على كميات هائلة من البيانات للتعلم، والتطور؛ ما يعني أن جزءا من معلومات المستخدمين قد يدخل ضمن هذه العمليات. وفي بعض الحالات يمكن أن تُستخدم هذه البيانات في التحقيقات القانونية، حيث إن ما يتم تخزينه رقميا قد يصبح دليلا قابلا للاستخدام إذا طلبته الجهات القضائية، وهو ما يجعل فكرة الخصوصية المطلقة، أمرا صعب التحقيق في العصر الرقمي.

تزايد الهجمات السيبرانية والقرصنة

وحذّر الخبير من مشاركة المعلومات الحساسة مع التطبيقات أو المنصات، إذ إن ذلك، حسبه، قد يؤدي الى مخاطر أكبر، مثل الاختراقات، أو تسريب البيانات الى السوق السوداء في ظل تزايد الهجمات السيبرانية والقرصنة، “وهو ما شهدناه مؤخرا حول عمليات محاولة النصب على البطاقة الذهبية الشخصية”، يذكر المتحدث، مشيرا إلى أن البيانات الشخصية يمكن أن تصبح عرضة للبيع على الأنترنت المظلم أو ما يُعرف بـ"الدارك ويب” في حال حدوث اختراقات.

وفي ظل كل هذه المعطيات، يقول أنيس، الفرد يعيش نوعا من المراقبة غير المباشرة ليس بالمعنى التقليدي، بل عبر تتبُّع سلوكاته الرقمية، وتحليلها، مردفا أن “هناك من أكد أن بعض الجهات يمكنها قرصنة آلة التصوير الخاصة بهواتفنا، وفتحها، وبالتالي تكون له نافذة صوت وصورة علينا، الى جانب الخوارزميات التي تتبع سلوك الفرد من خلال الإعلانات الموجهة، واقتراحات المحتوى، وحتى التوصيات اليومية، كلها مؤشرات على أن هناك من يراقب، أو على الأقل يحلل كل خطوة رقمية نقوم بها”.