قيم اجتماعية دخيلة تعصف بطقوس الأعراس

حينما تتحول الولائم إلى استهلاك مظهري

حينما تتحول الولائم إلى استهلاك مظهري
  • 116
رشيدة بلال رشيدة بلال

"فقدت الأعراس "بنتها.".. "شتان بين أعراس اليوم وأعراس زمان"، "أصبح الذهاب إلى وليمة العرس واجبًا لتقديم الهدية"، "أعراسنا فقدت قيمتها المعنوية"... عبارات كثيرة تختصر حالة الأسف، وعدم الرضا التي يشعر بها كثيرون، تجاه التغيرات الاجتماعية التي طرأت على واحدة من أهم المناسبات، التي كانت تصنع فرحة الكبير والصغير، ويشارك في التحضير لها الأهل والأقارب والجيران على مدار أيام. فما أسباب هذه التغيرات؟ ولماذا تحولت الأعراس الجزائرية، في نظر البعض، من مناسبة للمّة والفرح، إلى مجرد واجب اجتماعي، ومناسبة لتقديم هدية مالية وفرصة للتباهي والتفاخر؟.

 عصفت جملة من المتغيرات الاجتماعية بواحدة من أهم المناسبات في المجتمع الجزائري، والتي كانت عادة ما تقام خلال موسم العطل الصيفية، وفق الاعتقاد السائد قديمًا، حتى يتسنى للمدعوين الحضور رفقة عائلاتهم وأبنائهم، للمشاركة في الوليمة ومقاسمة أصحابها فرحتهم. ومن أبرز التغيرات التي طرأت على الأعراس اليوم، تراجع حضور أفراد العائلة بشكل جماعي، خاصة بعدما أصبحت بعض بطاقات الدعوة تتضمن عبارات من قبيل "الرجاء عدم إحضار الأطفال"، بل إن البعض ذهب لأبعد من ذلك، بالتأكيد على حضور شخص واحد يمثل العائلة فقط.

ويبدو أن هذا الشرط أصبح يثير حفيظة الكثيرين، ممن يفضلون مقاطعة العرس، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال. وهو ما أكدته السيدة "سعاد. ع«، من سكان البليدة، التي قالت إن "أعراس اليوم أصبحت عبارة عن واجب اجتماعي وأخلاقي، نحضر فيه الهدية التي تكون غالبا مبلغا ماليا معتبرا، ثم نتوجه إلى قاعة الحفلات لارتشاف فنجان قهوة، وانتظار وليمة العشاء، والاستماع إلى أغاني (دي جي)، ومتابعة (تصديرة العروس)، وبعدها نغادر". وأضافت أنها، عندما يفرض أصحاب العرس شرط عدم إحضار الأبناء، تقرر مقاطعة المناسبة، خاصة إذا صدر الأمر من أحد المقربين.

وتسترجع المتحدثة أعراس الماضي، قائلة: "إن صاحبة الوليمة كانت تصر في دعوتها، على حضور جميع أفراد العائلة، وكانت الأعراس تقام في المنازل التي تتسع للجميع، فيفرح الكبير والصغير، ويتناولون وجبة العشاء في أجواء عائلية تسودها البهجة". وتضيف أن "كل شيء كان موجودًا في أعراس زمان، إلا أن البنة غابت اليوم، وغابت معها بركة العرس"، معتبرة أن طغيان الجانب المادي على المناسبة أفقدها الكثير من قيمتها الاجتماعية.

من جهتها، أوضحت الحاجة تماني، أن أعراس البليدة كانت تقام في الماضي، على مدار سبعة أيام وليالٍ، وكانت كل مرحلة منها مناسبة لدعوة الأقارب والجيران لحضور حنة العروس، والمشاركة في تحضير الحلويات وطي ملابس العروس، وسط أجواء يسودها الفرح. وكانت التحضيرات تنطلق قبل موعد العرس بأيام، باستعمال الطبل والغناء والرقص، فيما كانت النساء الكبيرات في السن يتولين جزءًا مهمًا من التحضيرات، في حين يشارك باقي أفراد العائلة والجيران في مختلف مراحل المناسبة. أما اليوم، تضيف المتحدثة، فأصبح العرس يحمل في طياته الكثير من الرسميات، وهو ما جعلها لا ترغب كثيرًا في الذهاب إلى الأعراس، لأنها تشعر بأنها تحولت إلى واجب فقط لتقديم الهدية.

وتتذكر من بين العادات القديمة، أن أم العروس كانت تفتتح العرس بالرقص بعد دخول العروس، بينما كانت مختلف مراحل الاحتفال تتم وفق طقوس وعادات متوارثة. أما اليوم، فتقول إن الأمور أصبحت تتم بطريقة عشوائية وغير منظمة أحيانًا، وإن ما يهم المدعو هو البقاء في مكانه وانتظار علبة الحلوى ووجبة العشاء، ومتابعة ما ترتديه العروس إلى غاية نهاية الحفل. وتبدي المتحدثة أسفها الشديد لتغير العادات المرتبطة بالأعراس، معتبرة أن انتقالها إلى قاعات الحفلات أفقدها الكثير من "البنة والبركة"، كما ساهم في ارتفاع تكاليف الزواج، وهو ما جعل حتى الشباب يجدون صعوبة متزايدة في الإقدام على الزواج، بسبب المصاريف الكبيرة.

لكن، هل تتحمل قاعات الحفلات وحدها مسؤولية تضييع "بنّة" الأعراس الجزائرية؟ عدد من المستجوبات، أجمعن على أن نقل الأعراس من سطوح المنازل وساحاتها إلى قاعات الحفلات، ساهم، من جهة، في التقليل من الأعباء المنزلية على أهل العروسين، وجعل الأمور أكثر تنظيمًا، إذ يكفي اختيار القاعة، ويتكفل صاحبها بالكثير من تفاصيل العرس، وفق الاتفاق المبرم. فمن تزيين مكان جلوس العروس، إلى الاتفاق مع الطباخ لتحضير وليمة العشاء، والتعاقد مع "دي جي" أو مغنية، وجلب الحلويات، وصولًا إلى الاتفاق مع موظفي القاعة للإشراف على توزيع الطعام والحلويات، أصبحت غالبية تفاصيل العرس تتكفل بها خدمات متخصصة.

كما أصبح بإمكان المدعوين متابعة تفاصيل العرس، دون الانشغال بالالتزامات التي كانت تفرضها الأعراس المنزلية. غير أن هذه التسهيلات، حسب المتحدثات، جاءت على حساب "طعم العرس و«حلاوته"، إذ كانت التحضيرات في الماضي، رغم تعبها، تحمل في حد ذاتها، جزءًا من الفرحة. فكان يتم جلب "الباش" لتغطية سطح المنزل، وإحضار الكراسي وصفها، وتنظيم المكان في أجواء احتفالية، بينما تتولى السيدات الكبيرات في السن، تحضير عشاء العرس. وتؤكد المتحدثات، أن الفرحة التي كان يشعر بها المدعوون، في الأعراس التي كانت تقام في المنازل، لم تعد حاضرة بالشكل نفسه في أعراس اليوم.

ورغم ارتفاع تكاليف قاعات الحفلات، إلا أن تنظيم الأعراس فيها أصبح، حسبهن، أمرًا ضروريًا، خاصة مع التوسع العمراني وانتقال الكثير من الأسر إلى العمارات، الأمر الذي جعل تنظيم الأعراس داخل المنازل أمرًا صعبًا، وأسهم في التخلي تدريجيًا عن هذا النمط، باستثناء بعض سكان الأرياف والأحواش، الذين لا يزالون يحافظون على نمط الأعراس التقليدي.

24 مليون للقاعة... والمصاريف تتضاعف

لجس نبض أسعار قاعات الحفلات، تم التواصل مع عدد من أصحاب القاعات، حيث كانت المفاجأة في حجم تكاليف كراء القاعة فقط، دون احتساب باقي الخدمات والتجهيزات. وأوضح أحد ملاك قاعات الحفلات بالبليدة، أن كراء قاعة ببلدية الشفة، مثلا، يصل إلى نحو 24 مليون سنتيم، بينما تتراوح الأسعار في بلدية العفرون بين 15 و20 مليون سنتيم. ولا تتوقف المصاريف عند كراء القاعة، إذ تضاف إليها تكاليف ديكور القاعة، ومكان جلوس العروس، و«دي جي"، وعشاء العرس، والموظفين المكلفين بتوزيع الحلويات والطعام، إضافة إلى الفرقة المكلفة بمراقبة المدعوين ومنع التصوير في بعض القاعات. وأشار المتحدث، إلى أن تكلفة العشاء وحدها بالنسبة إلى 300 شخص، تتجاوز 36 مليون سنتيم.

من جهته، أوضح مالك آخر لقاعة حفلات، أن سعر الإيجار يخضع لعدة معايير، من بينها موقع القاعة، ومساحتها، وعدد الأشخاص الذين تستوعبهم، ونوعية الخدمات التي تقدمها، مشيرا إلى أن كراء بعض القاعات قد يتجاوز 30 مليون سنتيم، دون احتساب الخدمات. ويرى أصحاب القاعات أن كراء قاعة للحفلات أصبح أمرًا لازمًا وضروريًا، خاصة أن الكثير من المنازل لم تعد تتسع حتى لتنظيم حفلات الخطوبة، التي أصبحت هي الأخرى تقام في قاعات صغيرة.

نحو اختفاء الأعراس المنزلية نهائيًا

ينفي فريق من الطباخين بالعفرون، اختفاء الأعراس من المنزل، وإن كانت قد تراجعت بشكل كبير، حيث أوضح طباخ الأعراس عبد النور بوستة، أنهم اختاروا تنظيم مجموعة متخصصة في التكفل بتحضير عشاء الأعراس، ومختلف المناسبات السعيدة منذ سنوات. وأكد أن الطلب عليهم كبير، خاصة بعدما تغيرت عادات العائلات الجزائرية، فبعدما كان كبار السن في العائلة يتكفلون بتحضير عشاء العرس، أصبح الاعتماد اليوم بشكل شبه كلي على الطباخين المتخصصين. وحسبه، فإن تفرد الطباخ بتحضير وليمة العرس، جعل العملية أكثر تنظيمًا، خاصة من حيث ضبط عدد الوجبات وكمياتها.

وأشار، إلى أنهم عادة ما يحضرون الوجبات في محلاتهم، ثم ينقلونها إلى القاعة، وفي حال كانت القاعة مجهزة بمطبخ، يتم تحضير الوجبة فيها، كاشفا بأن الطلب يكون كبيرًا عليهم خلال موسم الأعراس، حيث يصل الأمر أحيانًا، إلى الإشراف على أربع ولائم أعراس في اليوم الواحد وفي قاعات مختلفة. كما ينتقل الفريق إلى المنازل، التي لا يزال أصحابها يفضلون إقامة أعراسهم فيها، مشيرًا إلى أنهم حضروا مؤخرًا وليمة عرس أقيمت في منزل، وتكفلوا بتحضير وجبتها. وعبر بوستة عن سعادته بذلك العرس، معتبرًا أنه أعاد إلى ذاكرتهم صورة أعراس الماضي، التي كان يزينها "الباش"، وتصف فيها الكراسي لاستقبال المدعوين وتوزيع الوجبات، فيما كان الأطفال يرقصون في باحة المنزل.

وفي السياق ذاته، أكد عبد النور بوستة، أنه رغم أن طريقة تنظيم الأعراس اليوم، أصبحت أكثر تنظيمًا وسهولة، إلا أنها رفعت في المقابل من حجم التكاليف، وضاعت معها "بنة" العرس التقليدي الذي كانت "لمة العائلة" أهم ما يميزه. فبين عرس الأمس، الذي كانت تتقاسم فيه العائلات والجيران والأقارب أعباء التحضير وفرحة المناسبة، وعرس اليوم الذي أصبحت أغلب تفاصيله تسند إلى قاعات الحفلات والطباخين ومقدمي الخدمات، تغير الكثير من ملامح المناسبة. ولم يعد العرس بالنسبة إلى البعض، مناسبة للّمة والتعاون والفرح الجماعي، وإنما تحول، في نظر عدد من المواطنين، إلى التزام اجتماعي تحكمه الدعوة والهدية والمصاريف، بينما تراجعت تدريجيًا تلك التفاصيل الصغيرة، التي كانت تمنح العرس الجزائري خصوصيته.

* رشيدة بلال


مختصون اجتماعيون:

الأعراس تحولت من فرح عائلي إلى تفاخر اجتماعي

يرى المختص في علم الاجتماع، الدكتور حسين زوبيري، أن الحديث عن ضياع "بنة" الأعراس الجزائرية اليوم، له ما يبرره، معتبرًا أن جملة من التحولات الاجتماعية والعمرانية، ساهمت في تلاشي طابعها الجماعي وفقدانها جزءًا كبيرًا من خصوصيتها.

وأوضح الدكتور زوبيري، أن من أبرز المتغيرات التي أسهمت في تراجع خصوصية الأعراس، الانتقال من تنظيمها في المنازل إلى قاعات الحفلات، وهو التحول الذي فرضته، حسبه، التغيرات في الأشكال العمرانية وأنماط السكن الجديدة. وأشار إلى أنه في الماضي، كان العمران يغلب عليه الطابع العائلي، وكانت الأعراس تنظم في ساحات المنازل أو على الأسطح، ويتكفل الأهل والأقارب بمختلف مراحل التحضير، ما كان يخلق أجواء من التعاون واللمة والمشاركة الجماعية. أما اليوم، يضيف المتحدث، فقد أدى الانتقال إلى السكن الفردي داخل العمارات، إلى استحالة أو صعوبة تنظيم الأعراس في المنازل، الأمر الذي جعل اللجوء إلى قاعات الحفلات ضرورة وبديلًا مهمًا، رغم ارتفاع تكاليفها.

ويرى المختص أن تنظيم الأعراس في قاعات الحفلات، ظهر في البداية كحل وبديل فرضته الظروف الجديدة، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى نمط يرتبط، في كثير من الحالات، بالاستهلاك والتباهي و«البريستيج". ويستدل على ذلك، بأن بعض العائلات، رغم عدم قدرتها المالية على تحمل تكاليف إقامة عرس في قاعة حفلات، تجد نفسها مستعدة لتحمل الأعباء، بل وقد تلجأ إلى الاقتراض، من أجل إقامة عرس مماثل لأعراس الآخرين، بدافع التقليد الاجتماعي والرغبة في الظهور بالمستوى نفسه.

وأضاف أن تكاليف إقامة العرس في قاعات الحفلات، قد تتجاوز 30 مليون سنتيم، ومع ذلك تظل بعض العائلات مستعدة لتحمل هذه التكلفة، ليس فقط من أجل إقامة المناسبة، وإنما كذلك لتفادي نظرة المجتمع. وفي هذا السياق، يؤكد زوبيري، أن العائلات اليوم أصبحت مستعدة لتحمل التكلفة الاقتصادية للعرس، لكنها غير مستعدة لتحمل التكلفة الاجتماعية، ممثلة في نظرة المجتمع إليها.

من جهة أخرى، حمّل المختص في علم الاجتماع مسؤولية جزء كبير من التحولات، التي أفقدت الأعراس الجزائرية زخمها، إلى النساء، بالدرجة الأولى، معتبرًا أن ما أصبح يهم بعضهن أكثر، هو كيفية نظر الآخرين إلى العرس ومستواه، وهو ما يندرج، حسبه، ضمن ما يسمى بـ"الاستهلاك المظهري". ويستدل على ذلك ببعض التفاصيل التي أصبحت تفرض نفسها في بطاقات الدعوة، على غرار اشتراط عدم إحضار الأطفال، أو الاكتفاء بحضور شخص واحد يمثل العائلة، وهي ممارسات يرى أنها تعكس تغيرًا في طبيعة المناسبة الاجتماعية وأهدافها.

وأضاف أن صاحبة العرس أصبحت، في بعض الحالات، تسعى بشكل كبير إلى إرضاء المدعوات، حتى يخرجن بانطباع إيجابي عن الحفل ويمدحنه بدل انتقاده، وهو ما جعل بعض الخدمات المقدمة للنساء، حسبه، تحظى بمبالغة في الاهتمام والإنفاق، مقارنة بما يقدم للرجال، باعتبار أن النساء يولين أهمية أكبر لمثل هذه التفاصيل. ويخلص زوبيري، إلى أن العرس الجزائري أصبح، في بعض مظاهره، عرسًا استهلاكيًا غير عقلاني، تحكمه الرغبة في التفاخر وإثبات القدرة على الإنفاق، بدل أن يكون مناسبة للفرح واللمة والتكافل والإعلام بزواج فلان ابن فلان.

ويرى أن هذا التحول ضيع الكثير من "بنة" الأعراس، وأفقدها خصوصيتها، حتى أصبحت المناسبة في ذاكرة البعض، مرتبطة أكثر بالتكلفة الاقتصادية وحجم الإنفاق، بدل الذكريات العائلية والاجتماعية التي كانت تتركها في نفوس المشاركين. ويختصر المختص هذا التحول، في سؤال أصبح يتردد بشكل مباشر أو غير مباشر، بعد انتهاء العرس: "كم أنفقت في عرسك؟"، بدل السؤال عن حجم الفرحة واللمة والذكريات التي تركتها المناسبة.

* أ. م