تحديات تكنولوجية تهدد الطفولة

دعوة لمواكبة المخاطر الرقمية الجديدة

دعوة لمواكبة المخاطر الرقمية الجديدة
  • 174
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

يعود في الفاتح جوان من كل سنة، اليوم العالمي للطفولة، ليذكر بأن الحديث عن الطفل ليس في مرحلة عمرية عابرة فقط، بل عن مستقبل مجتمع كامل، يتشكل اليوم بين البيت والمدرسة والشارع والشاشة، فالطفولة لم تعد كما كانت قبل سنوات، ولم تعد التحديات التي تواجه الطفل مرتبطة فقط بالتعليم أو الصحة أو الرعاية الاجتماعية، بل ظهرت تحديات جديدة، فرضها التطور الرقمي السريع الذي دخل كل بيت دون استئذان، وبين فوائد التكنولوجيا التي فتحت أبواب المعرفة والتعلم والتواصل، ومخاطرها التي فرضت أشكالا جديدة من العنف والاستغلال والعزلة، أصبح من الضروري طرح أسئلة جدية حول واقع الطفل الجزائري اليوم، وحول مدى قدرته على الاستفادة من هذا العالم الرقمي، دون أن يفقد حقه في الحماية والأمن النفسي والاجتماعي.

حول هذا الموضوع، كان لـ«المساء"، حديث مع المختص في علم الاجتماع سيد علي الزاوي، الذي يرى أن المجتمع يعيش اليوم مرحلة انتقالية مهمة خاصة في علاقة الطفل بالتكنولوجيا، إذ أكد أن الطفل الجزائري كغيره من أطفال العالم، أصبح جزءا من عالم رقمي واسع، يتجاوز حدود العائلة والمدرسة والحي، وهو ما يجعل مسؤولية حمايته أكثر تعقيدا من السابق، مؤكدا أن المخاطر لم تعد مرتبطة فقط بما يراه الطفل في محيطه المباشر، بل أصبحت تمتد إلى فضاءات رقمية مفتوحة، قد تحمل محتويات غير مناسبة أو سلوكات تؤثر على نموه النفسي والاجتماعي.

ويشير الزاوي، إلى أن مفهوم الحماية الاجتماعية للطفل، لم يعد يقتصر على توفير الغذاء والتعليم والرعاية الصحية فقط، أو الحق في اللعب، مثلا، بل أصبح يشمل الحماية الرقمية أيضا، فالطفل الذي يتعرض للتنمر الالكتروني أو الابتزاز عبر الأنترنت أو للمحتويات العنيفة، هو طفل يعيش شكلا جديدا من المخاطر التي قد تترك آثارا عميقة على شخصيته وسلوكه، لهذا فإن الحديث عن الطفولة اليوم، لا يمكن فصله عن الحديث عن البيئة الرقمية التي أصبحت جزءا من الحياة اليومية للأطفال، خصوصا وأن بعض الأولياء لا يدركون خطر ذلك العالم، ويعرضون طفلهم لذلك الخطر منذ سن جد مبكرة..

ومن خلال ملاحظة الواقع، يمكن تسجيل تغيرات واضحة في نمط حياة الأطفال، يقول الخبير، إن الكثير من العائلات أصبحت تعتمد على الهاتف، كوسيلة لتهدئة الطفل أو شغل وقته، في حين أصبحت مواقع التواصل والألعاب الالكترونية تشكل جزءا كبيرا من يومه، ورغم ما توفره هذه الوسائل من فرص للتعلم واكتساب المهارات، إلا أن غياب المرافقة والتوجيه قد يحولها إلى مصدر للخطر، فبعض الأطفال أصبحوا يعانون من العزلة الاجتماعية وضعف التواصل المباشر مع الآخرين، بينما يظهر على البعض الآخر، تعلق مفرط بالشاشات، يؤثر على التحصيل الدراسي وعلى العلاقات الأسرية.

مؤكدا أن المجتمع يملك مقومات مهمة لحماية الطفولة، إذا تم استثمارها بالشكل الصحيح، وكثيرا ما تركز الحكومة على هذا الباب، يشدد، وتعزز قوانينها في هذا الإطار، مضيفا أن الأسرة الجزائرية مازالت تحتفظ بقيم التضامن والتكافل والرقابة الاجتماعية، مقارنة بعديد المجتمعات الأخرى، غير أن هذه القيم تحتاج اليوم إلى التكيف مع الواقع الرقمي الجديد، فالمراقبة لم تعد تعني فقط معرفة أين يذهب الطفل ومع من يجلس، بل أصبحت تشمل معرفة ما يتابعه على الأنترنت وما يستهلكه من محتوى يوميا.

التربية الرقمية جزء من الثقافة العامة

كما يرى الزاوي، أن المدرسة مطالبة هي الأخرى بلعب دور أكبر في هذا المجال، فالتربية الرقمية يجب أن تصبح جزءا من الثقافة العامة للطفل، تماما مثل التربية المدنية والتربية الصحية، مضيفا أن الطفل يحتاج إلى تعلم كيفية استخدام التكنولوجيا بشكل آمن ومسؤول، كما يحتاج إلى معرفة حقوقه وواجباته داخل الفضاء الرقمي، فالحماية الحقيقية لا تتحقق بالمنع فقط، بل ببناء الوعي والقدرة على الاختيار السليم.

مخطط وطني يعزز حقوق الطفل ويواكب العصر الرقمي

في الختام، أشار الخبير، إلى أن الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، ضاعفت جهودها في مجال حماية وترقية الطفولة، من خلال تطوير أليات قانونية ومؤسساتية جديدة، كما تعمل الهيئة الوطنية لحماية وترقية الطفولة على مرافقة مختلف المبادرات المرتبطة بحقوق الطفل، ونشر ثقافة الحماية والتوعية، خصوصا وأن المفوضية الوطنية لحماية وترقية الطفولة، مريم شرفي، أكدت أن الجزائر تعمل على مخطط وطني جديد للطفولة، يمتد إلى غاية سنة 2030، ويهدف إلى تعزيز حقوق الطفل ومواكبة التحديات الجديدة التي فرضها العصر الرقمي.