"الماصو" و"البلومبي" والكهربائي الأكثر طلبا
"رحلة عذاب" للظفر بخدمات حرفي
- 128
كمال لحياني
تحول البحث عن بناء أو سباك أو دهان أو كهربائي في الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، إلى "رحلة عذاب" حقيقية. فمع تزايد إقبال المواطنين على تحسين وتوسيع مساكنهم، ازداد الطلب على هذه الفئة، التي أصبحت عملة نادرة، خاصة في المدن الكبرى، إذ بات حجز موعد مع من يعرف في اللهجة المحلية بـ«الماصو" أو "البلومبي"، وحتى الكهربائي والدهان، يستغرق أسابيع، والتنفيذ يكون بأسعار لا يجد رب العائلة بُدا من دفعها، راضيا بالأمر الواقع.
مع تزايد عمليات التوسع والتحسين والبناء الجديد، إلى جانب توزيع السكنات الاجتماعية وترحيل السكان إلى عمارات حديثة، أصبح الحصول على حرفي ضرورة ملحة. لكن أغلب الجزائريين يشتكون من شح اليد العاملة المؤهلة، وأصحاب الحرف المحترفين، وصعوبة الحصول على موعد، ناهيك عن الأسعار الخيالية في مدن، مثل العاصمة، وهران، قسنطينة وعنابة. ولا تتوقف المتاعب عند الموافقة على البدء، بل تستمر بغياب الحرفي لأيام، بحجة الانشغال بمشاريع أخرى، المرض، أو مواعيد عائلية، قد يمضي أياما في بناء جدار غرفة واحدة، أو يتعمد الدهان ساعات طويلة في دهن جدار واحد، أو يحدث "البلومبي" عمدا خللا في شبكة الماء، مما يضطر صاحب المنزل إلى إعادة العمل من جديد، وتحمل أعباء مالية مضاعفة.
أجرتهم تضاهي رواتب كبار الإطارات
يقول سفيان عمروش، إطار في أحد الإدارات العمومية بولاية تيبازة، لـ«المساء"، إنه حصل على سكن في إطار البرنامج الترقوي المدعم، لكن الديكور الداخلي لم يعجبه، فقرر إعادة تهيئته وتركيب تدفئة ذكية، هنا بدأت "رحلة العذاب" في البحث عن بناء محترف، استغرقت أكثر من شهرين، بسبب ارتباطات الحرفيين. اضطر سفيان لتقبل السعر المفروض عليه، حيث كلفته الأشغال حوالي 30 مليون سنتيم في أقل من شهر، وهو مبلغ يعادل راتب إطار أو برلماني في الجزائر.
أما شريف بن سعدة، صاحب مؤسسة أشغال بناء، فيؤكد أنه اضطر مؤخرا، لمضاعفة أجور الحرفيين الذين يتعامل معهم، لتنفيذ مشاريعه مع القطاعين العام والخاص. ويوضح: "الالتزام بالآجال وخوفنا من العقوبات، يجعلنا نتنازل ونضاعف الرواتب"، مشيرا إلى أن هذا الواقع يعيشه كثير من المقاولين في الجزائر، بسبب قلة الحرفيين وزيادة الطلب، خاصة بعد إطلاق برنامج مليون سكن وبرنامج "عدل"، وما رافقهما من إنجاز مرافق عمومية في التجمعات السكنية الجديدة.
عزوف عن التكوين رغم الأرباح
رغم استراتيجية الدولة لتشجيع الشباب على التكوين المهني، إلا أن عزوفا واضحا يطمس معالم هذه الحرف، مع توجه الكثيرين نحو التجارة والربح السريع، أو التفكير في "الحرقة" والهجرة إلى أوروبا. وقد سهلت وزارة التكوين المهني إجراءات التحاق المتسربين من المدارس بمراكز التكوين، كما أطلقت وزارة العمل، بالتنسيق معها، تربصات خاصة للمستفيدين من منحة البطالة، لتكوينهم في مختلف التخصصات، بهدف إدماجهم في سوق العمل.
حرفيون: حرفتنا شاقة ومطالبنا مشروعة
في المقابل، يجمع حرفيون، تحدثت إليهم "المساء"، على أن الأجر الذي يتقاضونه لا يزال قليلا، مقارنة بالإرهاق البدني والأمراض المصاحبة، كإصابات الظهر والمفاصل، فيقول عادل فروج، بناء من ولاية تيبازة، إن أجر بناء المتر المربع من الآجر الأحمر، يصل إلى 350 دينار للمتر المربع، وتركيب الخزف قد يصل إلى 800 دينار، وقد تصل مداخيله اليومية إلى 6000 دينار، لكنه يؤكد أن ارتفاع تكاليف المعيشة، وانعدام التأمين الصحي، والطابع الموسمي للمهنة، وتكاليف العلاج، كلها عوامل دفعتهم إلى رفع الأسعار، لضمان قوت عائلاتهم. ويضيف أن جائحة "كورونا" كانت قاسية عليهم، إذ توقفت المشاريع وتحولوا إلى بطالة تقنية، مما جعل البعض، مثل إسحاق لحول، صاحب مؤسسة صغيرة للترصيص الصحي، يلجأ إلى شبكات التواصل الاجتماعي، للعمل في المدن الكبيرة، بحثا عن أجر أفضل وتوفير مبالغ، تحسبا لظروف مشابهة.
تطبيقات ذكية لحل الأزمة
وسط هذا الاحتقان، اغتنم بعض الشباب الفرصة، وطوروا تطبيقات إلكترونية، لتسهيل إيجاد الحرفيين، فقد أطلق شاب جزائري تطبيق "ألو خدمة"، الذي يربط المواطنين بالحرفيين، عبر محرك بحث، يحدد أقرب حرفي، حسب المنطقة. ويؤكد دوحة، أن التطبيق يوفر الوقت على رب المنزل، ويحل أزمة البحث العشوائي.
أما شابة أخرى، فاستحدثت تطبيق "ألو حرفي"، الذي يتيح للحرفيين الترويج لخدماتهم، مقابل اشتراك رمزي، وترتيبهم حسب موقعهم الجغرافي، لتسهيل الوصول إليهم، حيث تشير دليلة تلمساني، إلى أن التطبيق لاقى ثناء كبيرا من المواطنين، كما فتح المجال أمام توفير مناصب شغل جديدة، وانتشر مؤخرا موقع وتطبيق "بريكولا"، الذي أنشأه طلاب جامعيون، في إطار تدعيم الأفكار والمقاولاتية بجامعة البليدة "2". ويظل قطاع الحرف في الجزائر يعاني من أزمة هيكلية، بين الطلب المتزايد، وعزوف الشباب عن التكوين، وضعف الحماية الاجتماعية للحرفيين. وفي الوقت الذي يحاول البعض حل الأزمة عبر التكنولوجيا، يبقى الحل الجذري مرتبطا بتثمين هذه المهن، وتوفير بيئة عمل لائقة، تحمي الحرفي وصاحب المنزل معا.