بين خبرة الكبار وتردد الشباب

زوال تدريجي لمهارات نحر الأضاحي

زوال تدريجي لمهارات نحر الأضاحي
  • 194
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

تعود أجواء عيد الأضحى كل عام، لتكشف عن تفاصيل دقيقة في بنية المجتمع، حيث لا يقتصر الأمر على الفرح والاستعداد، بل يتجاوز ذلك إلى توزيع غير معلن للأدوار داخل الأسرة، وفي قلب هذا المشهد، تبرز عملية الذبح باعتبارها لحظة تختزل الخبرة والمسؤولية، غير أن الملاحظة الأبرز اليوم، أن هذه المهمة ما زالت في أغلب البيوت مرتبطة بالكبار، بينما يظل حضور الشباب فيها محدودا واستثنائيا، أكثر منه قاعدة عامة.

تتضح هذه الصورة منذ الساعات الأولى من صباح العيد، حيث يتقدم الأب أو أحد كبار العائلة، أو حتى كبير الحي، وأحيانا أخرى غريب من حي آخر، يأتي للمساعدة في الذبح، في محاولة كسب الأجر ومساعدة من لا يعرف أصول العملية، لأداء عملية الذبح بثقة نابعة من تجربة طويلة، في حين يقف عدد من الشباب في موقع المساند، يراقب أو يساعد في تفاصيل لاحقة دون أن يخوض العملية بشكل كامل، تقتصر أحيانا مساعدة البعض في الإمساك فقط بالأضحية، أو المساعدة في عملية السلخ، أو تفريغ الأحشاء، وهو ما يعكس واقعا اجتماعيا يتكرر في كثير من الأسر، ويطرح تساؤلات حول أسباب هذا الغياب النسبي للشباب، عن ممارسة هذه الشعيرة بشكل مباشر.

في هذا الصدد، يوضح مصطفاوي مشكر، مختص اجتماعي، أن سيطرة الكبار على عملية الذبح ليست أمرا عشوائيا، بل نتيجة تراكم خبرات تمتد لسنوات طويلة، حيث نشا ذلك الجيل في بيئة كانت تتيح لهم الاحتكاك اليومي بالحيوان، ما جعلهم يكتسبون مهارات النحر بشكل تدريجي منذ الصغر، وباتت لديهم العملية أمرا طبيعيا، بل وجزء من الحياة في بعض المناطق، في المقابل، يعيش أغلب الشباب اليوم، في فضاءات حضرية، تقل فيها هذه التجارب، وهو ما يجعلهم يصلون إلى سن متقدمة دون أن تتاح لهم فرصة التعلم الفعلي والتجربة.

التعود ضروري للنجاح في عملية النحر

يضيف المختص، أن عامل التعود يلعب دورا أساسيا لإتقان العملية، فالشخص الذي لم يشارك في النحر منذ طفولته، يجد صعوبة في خوض التجربة لاحقا، ليس فقط من ناحية المهارة، بل أيضا من الجانب النفسي، حيث يشعر البعض برهبة من مشهد الذبح أو بعدم القدرة على التحكم في تفاصيله، ما يدفعهم إلى التراجع وترك المهمة لمن يملك خبرة أكبر، وهو ما يكرس استمرار هذا النمط داخل الأسرة.

وأشار المختص، إلى أن بعض الأسر تساهم دون قصد في هذا الوضع، عندما تفضل إبعاد الأبناء عن تفاصيل الذبح بدافع الحماية أو الخوف عليهم، أو حتى لتسريع المهام وعدم التعطيل، بسبب التردد الذي قد ينتاب الشخص الجديد الذي يحاول التعلم، وهو ما يحرمهم من فرصة التعلم التدريجي، لتصبح العملية بالنسبة لهم، غريبة ومفاجئة عند الكبر، ويؤكد أن هذا النمط يعزز الفجوة بين الجيلين، بدل أن يساهم في نقل المعرفة بشكل طبيعي.

ورغم هذا الواقع، يؤكد المختص، أنه لا يمكن تجاهل أن هناك فئة من الشباب بدأت تكسر هذه القاعدة، حيث يسعى بعضهم إلى تعلم الذبح، سواء من خلال مرافقة الكبار أو عبر الاطلاع على الشروحات المتاحة، ويظهرون رغبة واضحة في تحمل هذه المسؤولية داخل الأسرة، وحتى اكتساب الأجر، غير أن هذه الفئة تبقى محدودة مقارنة بالغالبية التي لا تزال تفضل البقاء في دور المساعد.

وعند المقارنة بين الجيلين، يبدو الفرق واضحا، يؤكد مصطفاوي، فالكبار يمتلكون ثقة عالية وقدرة على التعامل مع مختلف مراحل الذبح بدقة وسرعة، بينما يفتقر الكثير من الشباب إلى هذه الخبرة الميدانية، ومع ذلك، يتميز بعضهم بوعي أكبر بالجوانب الصحية والتنظيمية، وهو ما يعكس اختلاف في نوعية المعرفة بين الجيلين، أكثر منه تفوق مطلق لأحدهما على الآخر، وبذلك كل واحد يمارس ما له من أعمال خاصة به في ذلك اليوم.

لكن في المقابل، ينوه المختص إلى أن استمرار هذا الوضع، قد يؤدي مع مرور الوقت، إلى تراجع عدد القادرين على أداء هذه الشعيرة بشكل صحيح، إذا لم يتم العمل على إشراك الشباب فيها بشكل تدريجي، مؤكدا أن الحل يكمن في منحهم فرصة التعلم داخل الأسرة، وكسر حاجز الخوف لديهم عبر التجربة المباشرة، تحت إشراف من يكبرونهم سنا، وخاصة من يملكون الخبرة.

على صعيد آخر، يؤكد محمد لعزوني، إمام مسجد، أن نحر الأضحية عبادة لها فضل عظيم، وهي شعيرة عظيمة وفيها أجر كبير، بشرط النية الخالصة لله، والالتزام بالأحكام الشرعية عند الذبح، كتوجيه الذبيحة نحو القبلة، التكبير والبسملة والذبح في الوقت المحدد، كما أنه رأفة بالأضحية أن تكون الأدوات التي تستعمل للذبح حادة، حتى لا يتم تعذيب الأضحية عند الذبح، وهذا يجمع بين الآداب والشروط لعملية سليمة وكاملة، وتعبر، الأضحية يضيف الإمام، عن طاعة الله والتقرب إليه وتذكر بقيم التضحية والتكافل، ويشير إلى أن الحفاظ على هذه الشعيرة، لا يكون فقط بأدائها، بل أيضا بنقلها إلى الأجيال القادمة بشكل صحيح، إذ أنها أمانه لاستمرار تأدية واحدة من شعائر الإسلام العظيمة، داعيا إلى تشجيع الشباب على تعلمها والمشاركة فيها، حتى تبقى حية في الواقع، ولا تقتصر على فئة دون أخرى.