حملات تنظيف البالوعات تكشف عدة اختلالات

سلوك الشارع غير الواعي سبب وقوع الكوارث

سلوك الشارع غير الواعي سبب وقوع الكوارث
  • 232
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

مع اقتراب موسم الخريف لا تبدو البالوعات المنتشرة في الشوارع، مجرد فتحات صغيرة في الأرصفة، بل تتحول الى جزء من معادلة أكبر، ترتبط بقدرة المدن على استقبال كميات الأمطار وتصريفها. ففي الوقت الذي تستعد المصالح المحلية لتنظيف شبكات صرف مياه الأمطار ورفع الأتربة والنفايات ومعالجة النقاط السوداء، يعود الى الواجهة سؤال يتجاوز الجانب التقني لعمليات التنظيف: ماذا يفعل المواطن قبل أن تهطل الأمطار؟، وهل ينظر الى الوقاية من الفيضانات باعتبارها مسؤولية الإدارة وحدها، أم أن سلوكه اليومي يمكن أن يزيد من حجم الخطر، أو يساهم في الحد منه؟.

وإن كانت تلك الإجراءات الاحترازية تبدو للوهلة الأولى تقنية ومرتبطة بعمل المصالح المحلية، إلا أنها في الواقع، تكشف جانبا آخر من علاقة المجتمع بالمخاطر. وتطرح سؤالا يتجاوز قدرة شبكات الصرف على استيعاب المياه: هل يملك الجزائري ثقافة حقيقية للوقاية من الكوارث الطبيعية، أم أن التحرك لا يبدأ غالبا إلا عندما يصبح الخطر قريبا؟.

مَن المسؤول عن انسداد البالوعات؟

لتفادي أي كارثة محتملة في أولى أيام موسم الأمطار، تبدأ حملات تنظيف البالوعات، وفقا لتعليمات وزارة الداخلية، التي أكدت قبل أيام، على ضرورة الاستعداد لموسم الخريف، وتطهير شبكات صرف المياه، ومعالجة النقاط السوداء، ورفع درجة اليقظة تحسبا للتقلبات الجوية، لتعود مع هذه التعليمات صور العمال وهم يرفعون الأوساخ المتراكمة داخلها. غير أن المشهد يكشف في كل مرة، مشكلة أكبر من مجرد انسداد قناة لتصريف المياه؛ أكوام من البلاستيك، الأكياس، علب المشروبات، أوراق الأشجار، الأتربة وبقايا مختلفة تصل في النهاية الى المكان الذي يُفترض أن يسمح لمياه الأمطار بالعبور. وعندما تتساقط كميات كبيرة من الأمطار في وقت قصير، قد يتحول هذا الانسداد البسيط إلى عنصر يزيد من سرعة تجمُّع المياه في الشوارع والأحياء، وهو ما يجعل الوقاية مسؤولية مشتركة لا تبدأ عند هطول المطر، ولا تنتهي بانتهاء حملة التنظيف.

وفي هذا السياق، أكدت وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل في اجتماعها التنسيقي بالولاة، على ضرورة التحضير لموسم الخريف، ورفع درجة اليقظة والجاهزية، واتخاذ التدابير الوقائية والاستباقية، مع التشديد على تطهير شبكات صرف مياه الأمطار، ومعاينة النقاط السوداء، ومعالجتها. وهي إجراءات تكشف بوضوح أن التعامل مع الفيضانات لا يفترض أن يبدأ بعد وقوعها، بل قبل ذلك من خلال الاستعداد، والصيانة، والرصد، والتدخل المبكر؛ لتفادي أي كارثة قد تحدث بسبب مشكل قد يكون بسيطا إصلاحه قبل بداية أولى قطرات المطر.

وفي الجهة المقابلة من هذا المشهد، يقف عامل النظافة أمام بالوعة لا تحمل في داخلها فقط ما جرفته الرياح أو مياه الشوارع، بل تحمل أيضا أثرا مباشرا لسلوك يومي يمارسه بعض المواطنين. فخلال عمليات التنظيف لا يجد العمال الأتربة وأوراق الأشجار المتساقطة وحدها، بل يمكن أن يجدوا مختلف المخلفات البشرية، وهي مواد قد تتجمع داخل فتحات التصريف، وتعيق مرور المياه.

السلوك غير الواعي وراء المشكل

وأكد أحد عمال النظافة لـ«المساء” قائلا: “ المواطنين لا يرون ما نعثر عليه داخل البالوعة؛ حيث تتحول النفايات التي تُرمى في الشارع، الى عائق أمام تصريف المياه!“.  

وقال في هذا الصدد مالك ربيع حاسي، عامل نظافة، إن ما يتم العثور عليه داخل بعض البالوعات، لا يقتصر على الأتربة، والأوراق، بل يشمل الأكياس البلاستيكية، وعلب المشروبات، والعبوات، والمناديل، وقطع الحديد، وقطع الغيار، وبقايا مختلفة من النفايات، مضيفا أن بعض البالوعات تكون في حاجة الى تنظيف متكرر؛ بسبب سرعة تراكم هذه المواد فيها؛ لقربها من التجمعات السكنية المكتظة أو المحلات التجارية، وهو ما يجعل العامل يواجه المشكلة في نهايتها، بينما يبدأ جزء كبير منها بسلوك لا واع من بعض المواطنين.

ويضيف العامل أن تنظيف البالوعات قبل موسم الأمطار ضروري، لكنه لا يمكن أن يكون الحل الوحيد؛ لأن العامل يستطيع رفع النفايات المتراكمة اليوم، لكنه لا يستطيع منع شخص من رمي نفايات جديدة غدا، أو حتى بعد ساعة من تنظيفها؛ ولذلك فإن الوقاية الحقيقية تبدأ من المحافظة على نظافة المحيط ـ يؤكد ـ وعدم اعتبار فتحات تصريف المياه مكانا مناسبا للتخلص من النفايات، خاصة أن بعض المواد البلاستيكية قد تبقى في المحيط لفترات طويلة، وتنتقل مع مياه الأمطار والرياح، الى نقاط التصريف.

للجمعيات دور في رفع الوعي المجتمعيّ

وهنا تبرز مسؤولية المجتمع المدني؛ حيث تُعد جمعية “الدراجة الخضراء” من الجمعيات التي شاركت في مبادرات بيئية، وحملات لتنظيف المحيط والبالوعات. وفي هذا الصدد تحدّث حمزة آيت شاوش عضو بالجمعية مع “المساء” قائلا: “ إن الجمعيات يمكن أن تلعب دورا في التحسيس والتوعية، وتنشيط مبادرات لتنظيف المحيط سواء أحياء أو شوارع، أو شواطئ، أو غابات، أو غيرها من مبادرات ترمي الى تنظيف المحيط، مضيفا: “ أحيانا، رغم كل تلك الجهود والحملات إلا أنه يتم كشف ميدانيا، حجم الفجوة بين الخطاب حول النظافة والسلوك اليومي في الشارع، وهذا راجع أحيانا، الى عدم بلوغ المعلومة البعض، أو تجاهلها من طرف آخرين، أو حتى لا مبالاة بعض أطراف المجتمع، وعدم شعورهم بالمسؤولية تجاه بيئتهم “.

وأضاف محدث “المساء” أن المشكلة لا تبدأ عندما تغرق الشوارع، بل قبل ذلك بكثير، عندما تصبح النفايات جزءاً من المشهد اليومي، مشيرا الى أن حملات التنظيف تكشف في كل مرة، وجود كميات من البلاستيك، والأوراق، والعبوات في الأماكن التي يُفترض أن تبقى مخصصة لتصريف المياه، وأن تغيير هذا الوضع ـ يؤكد ـ لا يحتاج فقط الى حملات موسمية، بل الى تغيير تدريجي في طريقة تعامل المواطن مع الفضاء العام؛ مثل سياسة “ترمي تخلّص” ؛ أي دفع غرامة مقابل رمي النفايات في الشارع؛ لأن الشارع مِلك للجميع. والنفاية التي يرميها شخص واحد قد تصبح مشكلة بالنسبة لحي كامل..

ولا تقف المسألة عند النظافة، فالكوارث الطبيعية تكشف عادة، مدى استعداد المجتمعات للتعامل مع الخطر. فالأمطار الغزيرة ظاهرة طبيعية لا يستطيع الإنسان منعها، لكن حجم الأضرار الناتجة عنها يمكن أن يتأثر بعوامل بشرية كثيرة، من نوعية شبكات الصرف، وصيانتها، الى التخطيط العمراني، وموقع الأحياء، وانتشار النفايات، وسلوك السكان، ومدى احترامهم للتحذيرات الجوية؛ لذلك فإن الحديث عن الوقاية من الفيضانات لا يمكن أن يُحصر في مسؤولية جهة واحدة.

الوقاية من الكوارث سلوك استباقيٌّ منظم

ولفهم جانب لا تكشفه الأرقام وحدها، كان لـ«المساء” حديث مع مروة محمودي خبيرة اجتماع، بدأت حديثها بتساؤل بسيط قائلة : “لماذا ينتبه المواطن للخطر عندما تقترب العاصفة، ثم يعود بعد انتهائها، الى عاداته السابقة؟، وهل المجتمع الجزائري مستعد فعلا للكوارث الطبيعية، أم أنه يميل الى التعامل معها باعتبارها أحداثا استثنائية لا تستوجب الاستعداد الدائم؟ “ .

وفي هذا الصدد أكدت الخبيرة أن ثقافة الوقاية لا تقاس فقط بمدى خوف المجتمع من الكارثة، إنما بقدرته على تحويل الخوف الى سلوك منظم قبل وقوعها، موضحة أن المجتمعات التي تمتلك ذاكرة قوية تجاه الكوارث، يمكن أن تطور عادات وقائية؛ مثل معرفة أماكن الخطر، ومتابعة التحذيرات، والاستعداد داخل المنزل، وعدم القيام بسلوكيات تزيد من المخاطر، بينما يمكن أن يؤدي الاعتياد على مرور الأزمات دون خسائر كبيرة، الى شعور زائف بأن الخطر لن يقع.

وأضافت الخبيرة أن المجتمع الجزائري يملك أشكالا متعددة من ثقافة الاستعداد. ويمكن ملاحظة ذلك مثلا، في عادة “العولة” التي تقوم في جانب منها، على تخزين المواد الضرورية تحسبا لفترات الحاجة. وهي سلوك اجتماعي، يقوم على فكرة الاستباق. لكن ثقافة الاستعداد لكوارث طبيعية تحتاج الى توسيع هذا المنطق ليشمل مخاطر أخرى؛ فلا يكفي أن تستعد الأسرة لما ستأكله في الأيام الصعبة، بل تحتاج أيضا الى معرفة ما الذي ينبغي فعله عندما تتساقط كميات كبيرة من الأمطار، وكيف تحمي أفرادها، ومتى تتجنب الخروج، وما المناطق التي ينبغي الابتعاد عنها.

وتشير التجارب السابقة مع الفيضانات في الجزائر ـ تقول المتحدثة ـ الى أن المشكلة ليست مرتبطة فقط بغزارة الأمطار، فقد كشفت أحداث مختلفة عن دور انسداد شبكات التصريف، ووجود البناء في مناطق معرضة للخطر، وارتفاع مستوى المياه، وضعف الصيانة في بعض المواقع، الى جانب السلوكيات البشرية. وهي عوامل تجعل الوقاية عملية جماعية، تبدأ من التخطيط، والصيانة، ولا تنتهي عند المواطن؛ فالبلدية مطالَبة بتنظيف الشبكات ومعالجة النقاط السوداء. والمصالح المختصة مطالَبة باليقظة والتدخل. والمواطن مطالَب بعدم رمي النفايات، واحترام التحذيرات. والجمعيات مطالَبة بالمساهمة في التحسيس، والمبادرات الميدانية.

الوقاية مسألة مشتركة

وشددت الخبيرة قائلة: “ لا يمكن القول إن الوقاية من الفيضانات مسؤولية السلطات فقط، كما لا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية كل خطر. فالسلطات تتحمل مسؤولية واضحة في توفير البنية التحتية، وصيانتها، ومراقبة النقاط الحساسة، بينما يتحمل المواطن مسؤولية سلوكه في الفضاء العام؛ لأن البالوعة التي انسدت بسبب النفايات ليست مشكلة تقنية خالصة، بل نتيجة سلسلة من التصرفات، تبدأ غالبا خارجها برمي النفايات في الشوارع، وعدم إدارة تلك البقايا.

وشددت محمودي على أنه بين حملة تنظيف وأخرى يبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من ثقافة الاستجابة الى ثقافة الوقاية؛ فالمطلوب ليس فقط أن تنظف البالوعات قبل هطول الأمطار، وإنما أن تبقى نظيفة طوال العام، وليس فقط أن يتابع المواطن النشرة الجوية عندما تعلن مصالح الأرصاد عن اضطراب جوي، وإنما أن يعرف مسبقا كيف يتصرف عند ارتفاع منسوب المياه، وليس فقط أن تتحرك البلديات عندما تصبح السماء ملبّدة بالغيوم، وإنما أن تكون الصيانة والاستعداد جزءا دائما من عملها.