وجهة ممتعة تتحول إلى بؤر للموت

شباب يغامرون بحياتهم في شواطئ ممنوعة

شباب يغامرون بحياتهم في شواطئ ممنوعة
  • 100
كمال لحياني كمال لحياني

مع حلول فصل الصيف وموسم الاصطياف، تتحول الشواطئ الصخرية في الجزائر، إلى مسرح لمآسٍ متكررة، حيث تخلف عددا معتبرا من الضحايا سنويا. فما يبدأ كنزهات ترفيهية للعائلات ومجموعات الشباب، ينتهي في كثير من الأحيان بمآتم، بسبب مغامرات بعض الشباب، الذين يصرون على تحدي الصخور العالية والقفز من ارتفاعات شاهقة، متجاهلين التحذيرات والمخاطر.

تشير إحصائيات مصالح الحماية المدنية في الجزائر، إلى تسجيل عشرات حالات الغرق والوفيات سنويا، في شواطئ ممنوعة أو صخرية، تتميز بخطورة تضاريسها وصعوبة الوصول إليها. ويرجع السبب الرئيسي لهذه الحوادث، إلى التهور الذي يظهره بعض الشباب، واستعراضهم القوة والمهارة في الوصول إلى أماكن يعجز عنها الآخرون، إضافة إلى الثقة المفرطة في النفس، والتي غالباً ما تنتهي بنتائج مأساوية، كالموت أو الإصابات البليغة أو حتى الإعاقات الدائمة. ورغم الحملات التحسيسية المكثفة التي تشنها الجهات المعنية عبر وسائل الإعلام والزيارات الميدانية، إلا أن المشهد يتكرر كل صيف دون تغيير.

الشواطئ الصخرية.. وجهة مفضلة رغم المخاطر

على الرغم من الحوادث المتكررة، تظل الشواطئ الصخرية الوجهة الأولى للكثير من الشباب الجزائري، خلال موسم الاصطياف. فالباحثون عن المتعة والإثارة، والراغبون في الابتعاد عن الزحام والفوضى، وكذلك عشاق المياه النقية البعيدة عن مصادر التلوث، يجدون في هذه المناطق ضالتهم. كما توفر لهم مساحة أوسع لاستعراض مهاراتهم في الغطس والقفز، وتجسيد تفوقهم على أقرانهم، بدافع الفضول والتنافس وتقليد الرياضيين المحترفين، رغم إدراكهم التام للمخاطر المحيطة بهم.

في كورنيش منطقة شنوة وشاطئ خليج كوالي بولاية تيبازة، يتجمع العشرات من الشباب فوق الصخور، ويصطفون للقفز من ارتفاعات تتجاوز 30 مترا فوق مياه البحر، في مشهد يمزج بين البهجة والإثارة وصيحات التحدي، التي يتبادلها الأصدقاء. وفي هذا السياق، يقول الشاب عبد القادر سكحال: "اعتدت التوجه إلى هذا الشاطئ كل عام، فالمتعة التي أجدهـا هنا لا تتوفر في الشواطئ العادية، خاصة عندما أكون برفقة أبناء حيي". أما كريم بوشيغة، فيضيف "أنا أعشق الشواطئ الصخرية، رغم معرفتي بالإصابات التي تسببها، لكنني أتقن السباحة وأحب القفز من المرتفعات". ويشير علي مقراني، إلى أن الشواطئ الصخرية تبعده عن المشاكل التي تعج بها الشواطئ الرملية، مثل المناوشات المتكررة مع مستأجري الشواطئ والعائلات الأخرى.

القفز من الصخور.. إثارة تنسي المخاطر

بالرغم من خطورته، لا يزال القفز من الصخور والمناطق المطلة على البحر يجذب العديد من الشباب، الذين يتجاهلون التحذيرات الرسمية. وتصنف السلطات هذه المناطق ضمن الشواطئ الممنوعة، لعدم توفر مراكز حراسة وإنقاذ، أو لخطورة تضاريسها التي تشكل تهديداً حقيقيا على حياة الرواد. لكن كثيرا من الشباب لا يبالون بهذه الإجراءات، فمتعة القفز وسط الأمواج، ونقاء المياه الزرقاء التي تفتقر إليها الشواطئ المزدحمة، تدفعهم إلى نسيان المخاطر ورفع 

 التحدي، معرضين حياتهم للخطر في كل مرة.

 ويؤكد حفيظ مجاجي من ولاية البليدة، أنه يتوجه سنويا مع أصدقائه إلى شواطئ تيبازة وشلف وجيجل وبجاية، لممارسة هذه الهواية، وتوثيقها على مواقع التواصل الاجتماعي، مضيفاً: "رغم الخطورة، إلا أن روح التحدي تدفعنا للمغامرة في كل مرة".

العائلات أيضا تفضل الشواطئ الصخرية

لم تعد الشواطئ الصخرية حكرا على الشباب المغامر، بل تحولت إلى وجهة مفضلة للعديد من العائلات، التي وجدت فيها ملاذا من الفوضى التي تعم الشواطئ الرملية، كالزحام، وانعدام النظافة، والمناوشات اليومية، وظاهرة عدم الالتزام باللباس المحتشم. فالعائلات المحافظة، التي تبحث عن الهدوء والخصوصية، تتجه إلى هذه المناطق للاستمتاع بنسيم البحر، بعيدا عن الصخب. وغالباً ما يقوم رب الأسرة أو الابن الأكبر بالسباحة والقفز أمام أفراد عائلته، لإبراز مهاراته، بينما تتولى النساء تحضير الطعام والقهوة لقضاء وقت ممتع. ويقول محمد طهوي لـ"المساء": "الشواطئ العادية أصبحت محرمة على العائلات الملتزمة، بسبب عدم احترام المصطافين، وانتشار العري والمشاجرات اليومية، بالإضافة إلى تصرفات بعض الشباب وأصحاب الدراجات البحرية. لذلك فضلت تغيير الوجهة إلى الشواطئ الصخرية، التي رغم قلة إقبالها، إلا أنها أكثر متعة وراحة". ويشاركه 

الرأي بشير عباد، الذي قال: "زوجتي ووالدتي لا تفضلان السباحة كثيرا، بل تستمتعان بمشاهدة زرقة البحر، وهذا ما دفعني إلى اختيار الشواطئ الصخرية. فأنا منذ شبابي أمارس هواية القفز، لكن دون مخاطرة، فقط لإضفاء البهجة على العائلة".

حصيلة الغرقى مرشحة للارتفاع

كانت المديرية العامة للحماية المدنية، قد أعلنت عن تسجيل 251 وفاة غرقاً، خلال موسم الاصطياف لسنة 2025، منها 175 وفاة في الشواطئ (توزعت بين 83 حالة في شواطئ ممنوعة و44 حالة في شواطئ مسموحة خارج أوقات الحراسة)، مرجعة الأسباب إلى "عدم التقيد بتعليمات وإجراءات السلامة، خاصة في أوقات السباحة الممنوعة، وكذا السباحة في الشواطئ الممنوعة، والبحيرات، والأحواض، والسدود والمجمعات المائية".

وفي هذا السياق، كشف المكلف بالإعلام بالحماية المدنية لولاية تيبازة، محمد ميشاليخ، لـ"المساء"، أن مصالحه سجلت 12 حالة غرق ووفاة في الشواطئ الصخرية، منها 9 حالات العام الماضي، و3 حالات في هذه السنة، كما أكد المتحدث تكثيف حملات التوعية والتحسيس على مستوى الشواطئ، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المحلي، لإبراز مخاطر السباحة في هذه المناطق الصخرية الممنوعة. كما يتم اتخاذ إجراءات ردعية بالتنسيق مع مصالح الدرك الوطني والبلديات، تتضمن غلق الممرات المؤدية إلى هذه الشواطئ، للحد من الوصول إليها وتقليل حالات الغرق.