بين رغبة الطالب وتوجيه الأولياء..

صراع خفي لرسم مستقبل ما بعد البكالوريا

صراع خفي لرسم مستقبل ما بعد البكالوريا
  • 242
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

مع إعلان نتائج الباكالوريا، كل سنة، تعود أجواء الفرح إلى البيوت الجزائرية، وتبدأ معها مرحلة جديدة لا تقل أهمية عن الامتحان نفسه، مرحلة يحدد فيها الناجحون وجهتهم الجامعية، ويختارون التخصص الذي سيرسم ملامح مستقبلهم المهني والشخصي، وبين فرحة النجاح وكثرة الخيارات، يجد كثير من الطلبة أنفسهم أمام أسئلة صعبة، تتعلق بما يريدونه فعلا، وما ينتظره منهم محيطهم العائلي، فقرار التوجيه الجامعي لا يعد مجرد اختيار لتخصص دراسي، بل قرار يرتبط بطموحات الأسرة، ونظرتها للمستقبل، وفرص العمل والمكانة الاجتماعية.

في الوقت الذي تؤكد مصالح التوجيه الجامعي، أن اختيار التخصص ينبغي أن يقوم على رغبة الطالب وقدراته وميوله، يبقى للأولياء حضور واضح في هذه المرحلة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالطلبة المتفوقين، الذين يحصلون على معدلات جيدة وممتازة، وتُفتح أمامهم أبواب أغلب التخصصات، فهناك من يرى أن خبرة الأب، والأم تساعد الأبناء على اتخاذ القرار الصحيح، بينما يعتبر آخرون أن هذا التدخل، قد يحرم الطالب من دراسة المجال الذي يحبه ويبدع فيه.

في جولة لـ"المساء” بين عدد من الناجحين وأوليائهم، اختلفت الآراء حول حدود تدخل الأسرة في اختيار التخصص الجامعي، فإحدى الناجحات التي تحصلت على معدل مرتفع، قالت إنها كانت تميل إلى دراسة الإعلام الآلي، غير أن والديها شجعاها على اختيار الطب، باعتباره أكثر استقرارا وضمانا للمستقبل، وبعد نقاش طويل، اقتنعت باقتراحهما. في المقابل، أكد طالب آخر، أن والده اكتفى بتقديم النصيحة، وترك له حرية اتخاذ القرار، لأنه يرى أن النجاح الحقيقي يكون في التخصص الذي يحبه الإنسان، ويستطيع العطاء فيه. بينما قالت ولية تلميذ، إنها تعتبر نفسها شريكة في القرار، لأنها الأكثر اطلاعا على ظروف الحياة وسوق العمل، ولا تستطيع ترك ابنها يختار تخصصا، تراه لن يوفر له مستقبلا مهنيا مستقرا.

في المقابل، رفض بعض الطلبة تدخل أوليائهم بشكل كامل، معتبرين أنهم هم من سيدرسون ويتحملون مسؤولية اختيارهم لسنوات طويلة، كما أشار آخرون، إلى أنهم لم يجدوا مساحة كبيرة للاختيار، بسبب المعدل الذي لم يسمح لهم بدخول التخصص الذي كانوا يحلمون به، لذلك اكتفوا بالاختيار من بين التخصصات المتاحة لهم، غير أن الملاحظ، أن تأثير الأولياء يظهر بشكل أكبر لدى الطلبة المتفوقين، الذين يمتلكون هامشا واسعا من الخيارات، حيث يتحول النقاش داخل بعض الأسر، إلى محاولة توجيه الأبناء نحو تخصصات معينة، مثل الطب أو الصيدلة أو الهندسة، باعتبارها الأكبر مكانة في نظر الكثيرين.

في حديثها عن هذه الظاهرة، قالت أستاذة الاجتماع، نبيلة بن حاج، إن تدخل الأولياء في اختيار التخصص الجامعي ليس أمرا جديدا، بل سلوك اجتماعي، ارتبط لسنوات طويلة بثقافة تعتبر أن الأبوين يمتلكان الخبرة الكافية لتحديد مستقبل الأبناء، خاصة لدى المجتمعات التي تقوم فيها الأسرة بدور أساسي في اتخاذ القرارات المصيرية، وأضافت أن هذا التدخل يكون غالبا بدافع الخوف على مستقبل الابن، والرغبة في ضمان وظيفة مستقرة ومكانة اجتماعية جيدة، أكثر منه رغبة في فرض السلطة أو التحكم في حياة الأبناء، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة تنتشر لدى بعض الأسر أكثر من غيرها، لتجد مثلا أسرة كاملة تعرف نفس تخصص العمل، وغالبا تكون في الطب أو المجالات الملتحقة بها.

كالصيدلة أو الكيمياء، لتجد أحيانا أكثر من خمس أفراد العائلة في نفس المجال، وبذلك يكون لدى هؤلاء التلاميذ أقل حرية في اختيار تخصص آخر، لأنه بمثابة كسر قاعدة العائلة والخروج عن عاداتها التعليمية، ما يدفع ببعض الآباء. إلى توجيه أطفالهم منذ سنواتهم الأولى نحو التفوق "المرغم". لبلوغ تلك الفرصة وتحقيق ما حققه باقي أفراد العائلة.

وترى أستاذة الاجتماع. أن المشكلة لا تكمن في تقديم النصيحة أحيانا، وإنما في تحويلها إلى قرار ملزم، لأن الطالب عندما يجد نفسه في تخصص لا ينسجم مع ميوله وقدراته. قد يفقد الحافز مع مرور الوقت، وقد يحقق نتائج أقل من إمكاناته الحقيقية، رغم أنه كان متفوقا في الدراسة، وتؤكد أن الأبناء الذين يختارون تخصصاتهم عن قناعة، يكونون في معظم الحالات، أكثر قدرة على الإبداع والاستمرار وتجاوز الصعوبات، لأن الدافع الداخلي يبقى أقوى من أي ضغط خارجي.

وأضافت المتحدثة، أن هذا التدخل لا يشكل أحيانا أمرا سلبيا، وإنما في بعض الأحيان، لابد منه، لاسيما لشخص لا يدرك بعد ما يريده، هنا على الأولياء أو ذوي الخبرة من محيطه، مساعدته في اختيار التخصص الصحيح، قبل الوقوع في خيار ينتهي بالندم، وهو أمر يُلاحظ كثيرا لدى بعض الطلبة الذين يوقفون دراستهم الجامعية، بعد أشهر قليلة، ويقررون إعادة اجتياز الباكالوريا من جديد، للحصول على فرصة اختيار تخصص مختلف.

وتضيف الأستاذة، أن هذه العقلية في تأثير الأولياء على الأطفال، لا تزال موجودة بدرجات متفاوتة، لكنها بدأت تتراجع تدريجيا، مع تغير نظرة الأجيال الجديدة إلى الدراسة والعمل، وارتفاع مستوى الوعي لدى كثير من الأولياء، الذين أصبحوا يدركون أن سوق العمل تغير، وأن النجاح لم يعد مرتبطا بتخصصات محددة، كما كان في السابق، بل بالكفاءة والتميز والقدرة على تطوير المهارات، وتشير إلى أن، تخصصات كانت قبل سنوات قليلة غير معروفة، أصبحت اليوم تفتح آفاقا مهنية واعدة، وهو ما يفرض على الأسرة مواكبة هذه التحولات، بدل التمسك بصورة تقليدية عن المهن.

وأكدت أيضا، أن بعض التخصصات يتم تهميشها عند الاختيار، لكن في حقيقة الأمر، هي من أحسن التخصصات، وفيها فرص عمل كبيرة، داعية إلى أهمية التوجيه قبل الاختيار، وأن لا يكون أمرا يستهان به، بل لابد من سؤال ذوي الاختصاص والبحث، وحتى طلب النصيحة من المرشدين والأساتذة، لحسن اختيار تخصص جامعي، ومنه تحديد الحياة المهنية بعد ذلك.

في النهاية، يبقى التوجيه الجامعي، تقول الأستاذة، من أهم القرارات التي يتخذها الشاب في بداية حياته، ويظل دور الأولياء مهما، عندما يقوم على الحوار والاستماع وتبادل الرأي، دون فرض أو ضغط، مشددة أن مستقبل الأبناء لا يجب أن يبنى فقط على اختيار تخصص يحمل مكانة اجتماعية، بل على انسجام ذلك الاختيار مع قدراتهم وطموحاتهم، وعندما يتحقق هذا التوازن، تصبح النصيحة دعما حقيقيا، ويصبح القرار خطوة واثقة نحو مستقبل أكثر استقرارا ونجاحا، مهما بدا التخصص بسيطا أو سهلا في نظر الآخرين.