بين الطرز... الكروشي غرزة الحساب والبوقالات
صناعة المشغولات وعبق الذكريات.. حكاية صيف الفتيات
- 377
أحلام محي الدين
لاتزال الكثير من الأمهات والفتيات يعشن تفاصيل صيف حافل بالمشغولات والأعمال اليدوية، إذ تعد هذه الفترة من السنة، فرصة ذهبية لتعلم الحرف التقليدية الأصيلة، التي حافظت عليها الجدات والأمهات لزمن طويل، حيث تعمد كل فتاة لتحضير جهازها بيدها، خلال الصيف، فنهاره طويل ويمكن إنجاز الكثير من الأشياء وصناعة الكثير من المشغولات، التي تأخذ مكانها كزينة على الأرائك، مثل منادل الشبيكة الكبيرة أو القطع المختلفة والتشكيلة الرائعة من فرش البيت والأسرّة، من أطقم مبدعة الصنع من الطرز بـ"غرزة الحساب”، “الفتلة” وغيرها من الفنون الجزائرية الأصيلة.
رغم الغزو التكنولوجي الذي تعيشه الجزائر، على غرار دول العالم، حيث أصبح الهاتف الرفيق الدائم والملازم للأفراد، ليلا ونهارا، إذ لا يمكن تركه بعيدا عن اليد لأزيد من ساعة، فهناك صفحات لابد من تصفحها ومسلسلات يتم مشاهدتها، بعدما أصبحت تجذب مشاهدها بقوة، لاتزال هناك عائلات تحرص على جعل أوقات الصيف من الظهيرة إلى العصر، أو حتى المغرب، من أثمن الأوقات، تتعلم فيها الفتيات حرفة تقليدية تقيها شر الفاقة، في حين تفضل أخرى تعليم أبنائها سورا من القرآن الكريم، وسط تشجيعات وتحفيزات، حيث أوضحت "أم ردينة" (40 سنة)، أنها حريصة على تعليم بناتها فنون الطرز، التي علمتها إياها والدتها مند الصغر، مشيرة إلى أنها إرث عائلي، يستوجب المحافظة عليه، وقالت: “لم تكن حياتنا قديما مملة في أوقات القيلولة، بل كانت حياة اجتماعية غنية بالترابط الأسري، مشحونة بالإبداع الفني، من خلال فنون التطريز والنسيج، وتركيب “العقاش”، حيث تجتمع الفتيات وسط الدار والسطوح، التي تعد فضاءات رحبة للحرية والفرح وصناعة الذكريات الجميلة، فكل فتاة كانت تعكف على تحضير جهازها بيديها، لتأخذه معها إلى بيتها لاحقا بعد الزواج، فلطالما كانت حرفة اليدين فخرا، وشخصيا حرصت على نقل هذا الإرث الجميل لبناتي، وعلمتهن الكروشي والمجبود”.
حياة اجتماعية واقتصادية بامتياز
كانت البيوت الجزائرية العتيقة، خلال الصيف، في قصبة الجزائر، مدينة قسنطينة، تلمسان، وهران، في الصحراء وبكل شبر من الوطن، تشكل عالما قائما بحد ذاته، إذ جعلت الفتيات من ذلك الوقت حياة اجتماعية، ثقافية، اقتصادية حافلة بالنشاط والدفء، لاسيما في البيوت التي يوجد بها وسط الدار، الذي يعد بدوره مركز الحياة اليومية، حيث كانت الفتيات يقضين معظم النهار في الأعمال المنزلية الجماعية، التي كانت تتم في جو جماعي يجمع الجدات، الأمهات، الخالات، والفتيات اللواتي يجلسن إلى جانب كبيرات السن أو صاحبات الحرف، ويشاركن في فتل الكسكسي لإعداد “العولة”، تجفيف الخضر والفواكه، على غرار الطماطم، الزبيب و”العينة”.
كما كانت تتعلم الفتيات الحرف اليدوية، حسب المناطق، فلكل منطقة ميزتها الخاصة، حيث تتربع المناسج بالجنوب ومنطقة القبائل والشاوية، وتصنع تحاك الزرابي والحياك، في حين تتعلم الفتيات بالمدن الكبيرة الطرز، “المجبود” و”الفتلة” لصناعة “الكراكو” والجبة القسنطينية والعنابية، إلى جانب صناعة الفخار وتقطير الزهور، في المناطق الريفية والقبائل، حيث كانت الفتيات يشاركن في تشكيل الفخار وتزيينه بالرموز البربرية التقليدية. في حين كان ولايزال موسم “تقطير الورد والزهر” لاستخراج ماء الورد وماء الزهر، حدثا سنويا، تشرف عليه الفتيات بحرفية عالية في كل من قسنطينة والبليدة، على سيل المثال لا الحصر، كما تعمل النسوة على تحضير العطور من النباتات، على غرار الياسمين والعطرشة، وكانت البيوت تتحول إلى ورشة عمل حقيقية، إذا كانت إحدى بنات العائلة أو الجارات على موعد زفافها، حيث تقضي الفتيات وقتا طويلا في خياطة “الشورة” وتجهيز العروس، مع التحضير ليوم الحمام والحناء، فلكل يوم عاداته وتجهيزاته الخاصة التي كانت تحرص الحرائر على تحضيرها يدويا..