احتفالات المولد النبوي بقسنطينة

طقوس راسخة وذكريات لا تنطفئ

طقوس راسخة وذكريات لا تنطفئ
  • 125
شبيلة.ح شبيلة.ح

تعيش قسنطينة بحلول المولد النبوي، على إيقاع خاص يميّزه عن باقي المناسبات الدينية؛ فلا يمر مولد خير الخلق ـ عليه الصلاة والسلام ـ على المدينة وأهلها، مرورا عابرا، بل يظل راسخا في وجدانها؛ كأحد أهم المواعيد الدينية، والاجتماعية.

كانت الاحتفالات بذكرى المولد النبوي الشريف بالمدينة قديما، تدوم أسبوعا كاملا، من الحادي عشر إلى السابع عشر من ربيع الأول؛ حيث تنبعث أجواء البهجة في الأزقة، والأسواق، والزوايا الشهيرة؛ كزاوية سيدي عبد الرحمن، وسيدي راشد، والتي كانت تتحول إلى محاريب للذكر وتلاوة القرآن. ويجتمع فيها الشيوخ وطلبة العلم، في حلقات تمتزج فيها الأصوات بالمدائح النبوية، والابتهالات الروحانية، التي تعيد التذكير بسيرة الرسول الكريم، وتغرس في النفوس قيم الرحمة، والمحبة، والتسامح.

إعداد الأطباق والولائمُ يشرَك فيها الجيران والفقراء

ولا يقتصر الاحتفال بخير الأنام في الزوايا والمساجد والذكر والابتهالات فقط، بل حتى البيوت القسنطينية تعيش، هي الأخرى، جوا روحانيا، يعكس أصالة المجتمع القسنطيني، فالنساء يبدأن التحضير لليلة المولد منذ ساعات الفجر الأولى، فتفوح رائحة التريدة، والشخشوخة، والشواط من المطابخ. وتُرص الأطباق التقليدية بعناية استعدادا لتوزيعها.

هذه الولائم لا تكون موجهة للعائلة فقط، بل غالبا ما تقسَّم بين الأقارب، والجيران، والمحتاجين، فجزء من الطعام يرسَل سرا إلى بيت فقير، وآخر يوزَّع على الجيران، في مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي، الذي جعل من المولد موعدا تتجدد فيه معاني التضامن، والتراحم. ومع حلول المساء تضاء البيوت بالبخور والشموع، التي توضع في كل ركن من أركان البيت، لتتحول إلى لوحات مضيئة.

البيض الملوَّن والشموع المضيئة.. طقوس اندثرت

لكن كما هي حال كل تقليد، لم تسلَم بعض الطقوس من الاندثار مع مرور الزمن، فمن بين تلك العادات التي لاتزال الذاكرة الشعبية تحفظها، إشعال الشموع الملوّنة، التي كانت تزين النوافذ وحتى وسط الدار، فتبعث على البهجة. كذلك كان للأطفال نصيبهم من الفرح من خلال البيض الملوَّن؛ إذ كانت النسوة يُفرغن البيض، ويقمن بتلوينه، ويقدمنه هدية للأطفال، فيحتفظون به أياما طويلة ككنز صغير قبل أن يُكسر في النهاية. 

أما السهرات العائلية فكانت لحظات تربية صامتة، فالجدات يلتففن حول الصغار، يروين قصص السيرة النبوية، ومعجزات الرسول، ويرفعن أصواتهن بالمدائح.

العائلات القسنطينية تحافظ على تقاليدها رغم الحداثة

ورغم اختفاء بعض المظاهر المصاحبة لهذه الليلة المباركة، لاتزال كثير من العائلات القسنطينية حريصة على التمسك بجملة من الطقوس الأصيلة، كحفلات ختان الأطفال، التي مازالت إلى حد الساعة، تقترن بذكرى المولد. كذلك عادة نقش الحناء للصغار، التي ظلت حاضرة في أغلب البيوت. 

أما الحلويات التقليدية مثل المقروط، والطمينة، والزرير والمقرقشات، فهي لازمة أساسية على الموائد، لأنها ليست مجرد أطعمة، بل رموز متوارَثة، تحيل على الذاكرة الجماعية، وهو ما يجعل المولد لا يقتصر على الاحتفال فحسب، بل يصبح مناسبة لصلة الرحم، ولمِّ شمل العائلة حول مائدة واحدة، حيث يلتقي الكبير بالصغير في لحظة دفء.

المدارس تواكب المناسبة

وإذا صادف المولد فترة الدراسة، فإن الفرح ينتقل من البيوت إلى المؤسسات التعليمية؛ إذ تشترط المدارس على التلاميذ ارتداء الزي التقليدي، فيسارع الأولياء، خصوصا الأمهات، إلى تزيين أبنائهم بأجمل الملابس، فيرتدي الصبيان القمصان البيضاء والطرابيش، والبنات في قندورة القطيفة والكاراكو والشامسة؛ وكأن المدارس تتحول إلى عروض أزياء تراثية مصغرة. 

ولا يقتصر الأمر على المظهر الخارجي، بل تحرص الأمهات على تزويد أبنائهن بصحون الحلويات كالرفيس، والطمينة، والمقرقشات، والزرير، فيسهر المعلمون على تنظيم أنشطة احتفالية، تشمل الأناشيد الدينية، ورسم البهجة على وجوه الصغار، مع طقس وضع الحناء على أيدي البنات. كل ذلك يجعل من المدرسة امتدادا للأسرة في غرس قيم المناسبة، في تربية عملية، ترسّخ الهوية، وتقرب الأطفال من تراثهم.

المفرقعات والأطباق العصرية تزاحم العادات القديمة

ومع تغير الزمن لم يعد المولد في قسنطينة محصورا في الأطباق التقليدية والأناشيد، بل دخلت عليه مظاهر جديدة، فالمفرقعات والألعاب النارية أصبحت جزءا من المشهد، تضيء سماء المدينة بصخبها، وتتنافس مع الشموع القديمة التي خبت في الذاكرة. كما بدأت الأطباق الحديثة تزاحم الولائم التقليدية، حيث ظهرت أطباق الدجاج المشوي، والسلطات العصرية. ومع ذلك فإن روح المناسبة لم تتغير، فمازالت القيم التي حملتها منذ قرون حاضرة؛ قيم التسامح، والتآخي، والرحمة، التي تشكل الأساس الصلب للمجتمع القسنطيني؛ لتظل ذكرى المولد النبوي الشريف في قسنطينة، أكثر من مجرد مناسبة دينية، بل مرآة تعكس هوية المدينة، وذاكرتها الجمعية بين طقوس الماضي المندثرة، وتقاليد الحاضر المتجددة، حيث تحافظ الأسر على خيط متين يربط الأجيال بجذورها، وتغرس في نفوس أبنائها القيم الإنسانية والدينية، التي تجعلهم أكثر ارتباطا برسول الرحمة. 

وهكذا يبقى المولد في قسنطينة موعدا متجددا يزاوج بين عبق الماضي وروح الحاضر، ويجعل من الفرح أداة للتربية، ومن الذكرى مدرسة للأخلاق.