موسم جني الزيتون بسكيكدة

طقوس متوارَثة تجسّد مظاهر التضامن العفوي

طقوس متوارَثة تجسّد مظاهر التضامن العفوي
  • 428
بوجمعة ذيب بوجمعة ذيب

❊ ”الوزيعة" عادة متجذّرة تحمل أبعادا روحية واجتماعية

تُحيي العديد من الأسر بأرياف وجبال ولاية سكيكدة، موسم جني الزيتون بإقامة طقوس متوارَثة عن الآباء والأجداد، تسمّى بـ"التويزة" أو كما تُعرف محليا بـ"الوزيعة"، التي تجسّد، حقيقة ومجازا، أجمل مظاهر التضامن العفوي، حينما يساهم كل سكّان تلك المناطق؛ كبيرهم وصغيرهم وشيوخهم وشبابهم ونساؤهم وشاباتهم، في أجواء احتفالية تتّسم بالأمل والتفاؤل بأن تكون عملية جني الزيتون لهذا الموسم، أفضل من المواسم السّابقة، وأن يعود عليهم إنتاج هذه السنة بالبركة، وفق ما وقفت عليه "المساء" بمنطقة برج القايد التابعة لبلدية بين الويدان وكذا قرية جعايد بأحمد سالم، أو كما تُعرف بـ"التسعطاش" غرب سكيكدة، تُوحي بأنّ الإنتاج سيكون كمّا ونوعا متميّزا، ووافرا على الرغم من الحرائق التي عرفتها بعض الحقول خلال الصيف الأخير.

و"التويزة" أو"الوزيعة" عادة تقليدية متجذرة للاحتفال ببدء موسم جني الزيتون؛ حيث تقوم العائلات بذبح أضحية، في الغالب تكون عجلا، وتوزيع لحمها على فقراء وأقارب وجيران القرية؛ كبادرة تضامن وتكافل؛ تعزيزاً للروابط الاجتماعية. كما تتضمّن تحضير بعض الأطباق التقليدية؛ إذنا بانطلاق موسم جني الزيتون. ولا يتخلف أحد من أهالي القرى والمداشر عن الوليمة. وعند الانتهاء من الأكل تُعقد حلقات للذكر والدعاء والتضرّع إلى الله تعالى بأن يطرح عليهم البركات، وأن يجعل من موسم جني الزيتون لهذه السنة، موسم خير. وبحسب من تحدّثنا معهم، فإنّ "الوزيعة" ليست مجرّد طقوس، بل تحمل أبعادا روحية واجتماعية؛ كونها فرصة سانحة للمّ شمل المتخاصمين. كما إنّ الاحتفال بعيد الزيتون هو احتفال بالخير والبركة، والتآلف، والتآزر. وتجسّد روح المساواة، والتكافل الاجتماعي بين سكان القرية.

الكل يشارك بالطريقة التقليدية في جني الزيتون

وأكّد لـ«المساء” بعض أهالي تلك المناطق، أن أشجار الزيتون بثمارها تُعدّ مصدر رزق لكل العائلات الريفية السكيكدية، التي مايزال العديد منها يعتمدون على الطرق التقليدية في جنيها، وعصرها؛ حفاظا على نكهتها المتميزة، وعلى جودتها؛ سواء كان زيتونا، أو زيتا.

العديد ممّن تحدّثت معهم يومية "المساء" أجمعوا على أنّ عملية جني الزيتون يشارك فيها كل الأفراد كبارا وصغارا؛ بالتوجّه جماعيا نحو الحقول المحاطة بأشجار الزيتون، بمن فيهم العائلات المساعدة في عملية الجني التي لا تملك أشجار زيتون، لكنّها ستستفيد، هي الأخرى، من الزيتون وزيته نظير مشاركتها في عملية الجني، التي تنطلق في أجواء احتفالية تصنعها حينا زغاريد النسوة، وحينا آخر بعض الأغاني الشعبية التي ترددها النساء، وسط صخب الأطفال الذين يكتفون بجمع ما يسقط من ثمر الزيتون على الأرض، ووضعه في أكياس من الخيط تسمّى باللهجة المحلية "الشكارة دي الخيشة" التي أُعدّت خصّيصا لذلك.

وحتى الرجال بحماستهم يصنعون الحدث، فمنهم من يقوم بتسلّق الأشجار ونفضها إما بتحريك الأغصان أو بالاعتماد على العصي، فيما يقوم البعض الآخر بحمل الأكياس، ونقلها إلى المنازل على متن بعض الآلات، كالجرار، أو بالاعتماد على الدواب، إمّا لاستخلاص الزيت منها بالطريقة التقليدية، أو تحويلها إلى المطاحن المتواجدة بالمنطقة، وأغلبها مايزال أيضا، يعمل بالطريقة التقليدية. وتدوم عملية الجني والتحويل إلى المطاحن تقريبا شهرا، حسب كمية ما تمّ جنيه، مباشرة بعد الانتهاء من تنقيتها من الأحراش.

طرق تقليدية لاستخلاص زيت الزيتون

وتعتمد العديد من الأسر بالمناطق الجبلية، على الطريقة التقليدية في عملية عصر الزيتون بالطريقة التقليدية، التي ماتزال تلك الأسر بما فيها بعض المطاحن، تحافظ على تلك العادة؛ إذ تضمن نوعية جيّدة لزيت الزيتون. وتتمّ عملية العصر مباشرة بعد عجن حبوب الزيتون باستعمال حجر كبير يسميه البعض "اليربابة"؛ حيث يُوضع المعجون في إناء كبير، ليتم مجددا عجنه بالأرجل، لتسهيل عملية استخراج الزيت. 

وبعد الانتهاء من هذه العملية مباشرة يتمّ وضع المعجون في إناء طويل نوعا ما، مصنوع من القصب به فراغات صغيرة. وظيفته تمكين زيت الزيتون من الخروج عبر تلك الفراغات، ليوضع في قصعة لتجميع الزيت بجانب حفرة من النار تسمى "الكانون"؛ لتسهيل عملية سيلان زيت الزيتون بسهولة، ولمدة 3 أيام. وهي المدة الكافية التي تطلبها العملية. ثم يؤخذ، مرة أخرى، المعجون صوب حفرة في الأرض بطول مترين وعمق متر واحد.

ويُفضل أن تكون قرب مكان تواجد الماء، حتى تسهل عملية ملء هذه الأخيرة بالماء الذي يوضع في الحفرة. وعندما تطفو بقايا حبات الزيتون الطرية والمعجونة فوق الماء مع الزيت المتبقي، تغوص البقايا اليابسة فتقوم النسوة وهن يرددن الأغاني الشعبية، بضرب بقايا المعجون التي تطفو فوق الماء بعصا من غصن شجرة لإخراج الزيت منها. وعند الانتهاء من العملية تُجمع بقايا المعجون مرة أخرى، وتوضع في قطعة قماش تسمى "الشكارة" أو بتسميات أخرى حسب لهجة كل منطقة، ليتم، مجددا، عصرها بسكب الماء الساخن، وبمشاركة شخصين على الأقل. وبهذه الطريقة المضنية تتم عملية استخراج الزيتون وسط أهازيج تردَّد جماعيا، تساهم، بشكل كبير، في نسيان متاعب العملية.

ولائم حين الحصول على أولى كميات الزيت

وعند الحصول على أولى كميات الزيت، تشرع النساء في إطلاق العنان للزغاريد وسط ابتهاج الجميع؛ حيث تُحضر أولى الأكلات كالبغرير الذي يُعرف في بعض المناطق الجبلية المجاورة لحدود ولاية جيجل بـ "ثيغريفين"، الذي تؤكل أقراص منه بزيت الزيتون، أو بتحضير بعض المأكولات، كخبز "المطلوع"، أو خبز الشعير، أو الكسرة المصنوعة بزيت الزيتون، أو كما تُعرف محليا بـ"أغروم". كما تحضَّر بعض الأطباق الشعبية خاصة البركوكس، فيما تقوم العديد من العائلات بتوزيع كميات من زيت الزيتون على بعض العائلات. وتجسّد تلك الطقوس حقيقة البعد الثقافي لمنطقة سكيكدة، التي مايزال سكّانها يحافظون إلى اليوم، على عادات الأجداد.