مبادرة تضامنية تُحيي أمل الزواج
عرس جماعي بالبليدة يزف 48 شابا نحو الاستقرار
- 198
رشيدة بلال
في أجواء احتفالية بهيجة، تعالت فيها الزغاريد وامتزجت مشاعر الفرح بالدعاء، زُفَّ بولاية البليدة، 48 عريسا في حفل زفاف جماعي، عبر خلاله المستفيدون، عن سعادتهم الكبيرة بالدعم الذي تلقوه لإتمام نصف دينهم، فيما أعربت عائلاتهم، في ظل الغلاء الكبير الذي تعرفه تكاليف الأعراس، وعزوف فئة من الشباب عن الزواج، عن امتنانها لهذه المبادرات الخيرية، آملين أن تتوسع وتتلقى مزيدًا من الدعم، حتى يستفيد منها أكبر عدد من الشباب، الراغبين في الاستقرار وتأسيس أسر قوامها المودة والرحمة.
احتضنت قاعة الحفلات ببلدية الشفة، غرب ولاية البليدة، فعاليات الطبعة الثانية للعرس الجماعي، الذي بادرت إلى تنظيمه جمعية "سواعد الإحسان" (مكتب البليدة)، وسط حضور مميز لعائلات العرسان والمتطوعين والمحسنين وعدد من المستثمرين.
توافد العرسان تباعًا إلى قاعة الاحتفال في موكب بهيج، تعالت خلاله الزغاريد والأناشيد، احتفاءً بهذه المناسبة السعيدة، في أجواء عائلية مميزة، عكست قيم التكافل والتضامن. ولم يقتصر الدعم على تنظيم حفل الزفاف، بل شمل تجهيز كل عريس بغرفة نوم كاملة، وبدلة للعرس، إلى جانب تقديم هدايا رمزية، وإقامة وليمة عشاء جماعية على شرف العرسان وعائلاتهم.
.. المبادرة خففت عنا أعباء الزواج
اقتربت "المساء"، من عدد من العرسان، الذين بدت الفرحة واضحة على وجوههم، وكانت البداية مع الشاب أسامة مولودي (32 سنة)، الذي أكد أن هذه المبادرة الخيرية مكنته من إتمام نصف دينه، مشيرًا إلى أنه استفاد قبل الزواج، من دورة تأهيلية، ساعدته على التعرف إلى أسس إدارة الحياة الأسرية، وأبرز التحديات التي قد تواجه الزوجين وطرق التعامل معها. وأضاف أن تكاليف الأعراس أصبحت باهظة، وهو ما يدفع كثيرًا من الشباب إلى تأجيل الزواج، أو العزوف عنه، معربًا عن أمله في تعميم مثل هذه المبادرات عبر مختلف الولايات.
من جهته، أعرب كمال زرفاوي (من بليدة الجبابرة)، عن استحسانه الكبير لهذه المبادرة، التي سمحت له بدخول القفص الذهبي، مؤكدا أن إقامة عرس في الوقت الراهن، أصبح مشروعا صعب التحقيق، في ظل موجة الغلاء، داعيا إلى تعميم هذه التجربة التضامنية. أما شقيقة العريس عبد الرحمن، فأكدت أن تجهيز غرفة النوم وإقامة وليمة العرس، من أكبر التحديات التي تواجه العائلات، معتبرة أن مثل هذه المبادرات تشجع الشباب على الزواج، وتساعدهم على تأسيس أسر مستقرة.
دورات تأهيلية لأسرة متماسكة
لم تغفل جمعية "سواعد الإحسان"، الجانب التأهيلي للمقبلين على الزواج، بالنظر إلى المشكلات التي تعاني منها بعض الأسر الحديثة، نتيجة ضعف الاستعداد للحياة الزوجية. في هذا السياق، أوضحت الدكتورة رميساء ساسي، مختصة في علم النفس العيادي وأستاذة بجامعة عين الدفلى، أن الدورات التأهيلية مرت عبر ثلاث مراحل أساسية، ركزت في بدايتها على حسن الاختيار والفروقات الفردية بين الزوجين، ثم تناولت مهارات إدارة الحياة الزوجية، وعلى رأسها الحوار والمصارحة والمهارات الاجتماعية، قبل أن تختتم بمحور خاص بكيفية إدارة الخلافات الزوجية، وآليات التعامل معها بطريقة سليمة.
وأضافت المتحدثة، أن أكثر ما لفت انتباهها، الاهتمام الكبير الذي أبداه المشاركون بالدورات، من خلال الحضور المكثف وطرح العديد من الأسئلة، وهو ما يعكس حاجة الشباب الماسة إلى التوجيه والتأهيل قبل الزواج، حتى يتمكنوا من بناء أسر متماسكة. وأكدت أن هذه التجربة، رغم بساطتها، كشفت الحاجة الملحة لاعتماد التأهيل الأسري، كآلية أو شرط أساسي يسبق الزواج، لما له من دور في تحقيق جودة الحياة النفسية، والوصول إلى السعادة والتوافق والاستقرار الأسري، وهي الغاية التي يطمح إليها كل مقبل على الزواج.
المحسنون يجهزون 48 عريسا
من جانبه، أكد رئيس المكتب الولائي لـ"سواعد الإحسان"، محمد حاج الله، أن الجمعية تمكنت، بفضل مساهمة المحسنين، من تجهيز 48 عريسا في الطبعة الثانية، موضحا أن الدعم شمل توفير غرفة نوم كاملة، وتنظيم وليمة جماعية، إضافة إلى تقديم هدايا رمزية.
وأشار حاج الله، إلى أن الطبعة الأولى شهدت تجهيز 32 عريسا، بينما ارتفع العدد هذا العام إلى 48، رغم أن عدد الطلبات كان أكبر بكثير، وهو ما يعكس حاجة العديد من الشباب إلى المساندة، في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف الزواج. وأضاف أن الهدف من هذه المبادرة، لا يقتصر على تقديم المساعدات المادية، بل يتعداه إلى الإسهام في تأسيس أسر قوامها المودة والرحمة، لهذا حرصت الجمعية على تنظيم دورات تأهيلية للمقبلين على الزواج، باعتبار أن بناء الأسرة وتحصين الشباب، هو الهدف الأساسي للمبادرة.
وأوضح المتحدث، في السياق نفسه، أن مشروع الزواج الجماعي، يعد قيمة تضامنية انطلقت سنة 2005، وتداولت على تنظيمه عدة جمعيات، قبل أن تعيد جمعية "سواعد الإحسان" بعثه من جديد، حيث لقي استحسانا كبيرا من العائلات والمحسنين، الذين يواصلون دعمهم للراغبين في الزواج.
شروط ضرورية لضمان الاستقرار الأسري
من جهته، أوضح الأستاذ أحمد حمادوش، معلم متقاعد وأحد مؤسسي مبادرة الزواج الجماعي، أن الغاية الأساسية من المشروع، هي مد يد العون لأكبر عدد ممكن من الشباب، حتى يتمكنوا من تأسيس أسر مستقرة، وأشار إلى أن الجمعية تسعى، بفضل دعم المحسنين، إلى توسيع دائرة المستفيدين، لافتًا إلى أن الطبعة الثانية سجلت ارتفاعًا في عدد المستفيدين، مقارنة بالسنة الماضية، وهو ما يؤكد نجاح المبادرة وتزايد الإقبال عليها.
وأكد المتحدث، أن الجمعية وضعت نظاما داخليا، يتضمن مجموعة من الشروط، من بينها أن يكون المقبل على الزواج عاملًا، لضمان استقرار الأسرة واستمرارها، باعتبار أن الهدف النهائي للمبادرة، هو المساهمة في بناء مجتمع متماسك، من خلال تأسيس أسر مستقرة، قادرة على مواجهة تحديات الحياة.