مختصون ومؤثرون يطالبون ب"ترمي تخلص"

فرض غرامات مالية لوقف الرمي العشوائي للنفايات

فرض غرامات مالية لوقف الرمي العشوائي للنفايات
  • 110
رشيدة بلال رشيدة بلال

 أعادت حادثة وفاة مواطن بولاية قسنطينة، إثر سقوط كيس قمامة من شرفة إحدى العمارات على رأسه، إلى الواجهة، المطالب المتكررة التي أطلقها مهتمون بالبيئة والنظافة، إلى جانب مؤسسات عمومية ولجان أحياء وجمعيات وحتى المؤثرين، بضرورة فرض غرامات وعقوبات على كل من يرمي النفايات بطريقة عشوائية في الشوارع والأحياء ومن شرفات المنازل، رافعين شعار: "ترمي تخلص"، من خلال تفعيل ما يسمى بشرطة النظافة أو شرطة البيئة.

أثارت حادثة ابن ولاية قسنطينة، الذي كان يسير بأمان على الطريق، قبل أن يسقط عليه كيس قمامة من شرفة إحدى العمارات، موجة غضب واسعة، ليس فقط بسبب خطورة ما حدث، وإنما أيضا بسبب الطريقة غير المسؤولة التي تم بها التخلص من النفايات. فالكيس كان يحتوي، حسب ما تم تداوله، على قطعة شحم مجمدة وصلبة، ما تسبب في إصابة الضحية بإصابة خطيرة، ودخوله في غيبوبة، قبل أن توافيه المنية. وأعادت هذه الفاجعة طرح ملف الرمي العشوائي للنفايات، خاصة من الشرفات، باعتباره لم يعد مجرد تصرف غير حضاري، أو مظهر من مظاهر تشويه المحيط، وإنما أصبح سلوكا خطيرا، يمكن أن يهدد حياة مستعملي الطريق، من مختلف الفئات العمرية.

كانت العديد من المؤسسات المكلفة بالنظافة، إلى جانب لجان الأحياء والجمعيات المهتمة بالبيئة والنظافة، والمتطوعين الذين يبادرون في كل مرة إلى تنظيم حملات تنظيف للأحياء، وحتى بعض المؤثرين، قد طالبوا في مناسبات عديدة، بضرورة فرض عقوبات على كل من يرمي النفايات في الأحياء والشوارع، من خلال تفعيل ما يسمى بـ«شرطة النظافة". ويرى أصحاب هذا الطرح، أن فرض الغرامات يمكن أن يساهم في الحد من هذه التصرفات غير المسؤولة، خاصة وأن الردع المالي قد يكون وسيلة فعالة لتقويم بعض السلوكيات، وهو ما يلخصه المثل الشعبي المتداول: "المواطن الجزائري إذا تعلق الأمر بما يحتوي جيبه يلتزم".

ضعف التربية البيئية وراء تفشي هذا السلوك

من جهته، أرجع المختص في علم اجتماع الجريمة، الدكتور مراد سالي، مثل هذه التصرفات، إلى ما وصفه بقلة التربية البيئية، موضحا أن الشخص الذي يلتزم بعدم رمي النفايات من منزله أو من نافذة السيارة أو في الشارع، يكون في الغالب، قد تربى داخل أسرته، على أهمية المحافظة على نظافة المحيط. ويؤكد المختص، أن الفرد مثلما يمتنع عن رمي النفايات داخل منزله، يفترض أن يلتزم بالسلوك نفسه خارج المنزل، خاصة وأن المصالح المعنية تعمل في كل مرة، على تزويد الأحياء، بما فيها العمارات، بحاويات مخصصة لرمي النفايات. وأضاف أن المجتمع، اليوم، وبعد الحادثة التي وقعت، بحاجة إلى تفعيل قوانين صارمة، عندما يتعلق الأمر بنظافة المحيط، مع الحرص على تطبيقها ميدانيا، للحد من الرمي العشوائي للنفايات.

ولفت إلى أن، قانون المرور يتضمن عقوبات بالنسبة لبعض السلوكيات المرتبطة برمي النفايات من المركبات، غير أنه يرى أن الأمر يحتاج إلى توضيح أكبر، من حيث آليات التطبيق، مقترحا في هذا الإطار، فرض غرامات على كل من يرمي النفايات المنزلية بطريقة عشوائية في الأحياء والشوارع، مع ضبط آلية واضحة للتطبيق. ويقترح المختص في هذا الإطار، إعادة تفعيل شرطة النظافة، وهي المهمة التي كان يقوم بها فيما مضى، الحارس البلدي، الذي كان يساهم في حماية البيئة ومحاربة مختلف مظاهر الرمي العشوائي على مستوى الأحياء، من خلال التبليغ وتحرير المحاضر. ويرى أن إعادة إحياء مثل هذه الآليات، من شأنها أن تساهم في التقليل من ظاهرة الرمي العشوائي، خاصة إذا اقترنت بحملات توعية وتحسيس مستمرة، وتطبيق فعلي للعقوبات.

ويختم المختص الاجتماعي، بالتأكيد على أنه، رغم أهمية حملات التوعية والتحسيس التي تقوم بها مختلف المصالح المعنية، إلا أن هذا العمل الجواري قد يبقى محدود الأثر، في حال لم تدعمه قوانين صارمة وردعية، سواء من خلال إعادة تفعيل شرطة البيئة، أو اعتماد وسائل تكنولوجية حديثة، تسمح للمواطن بالمساهمة في رصد هذه السلوكيات والتبليغ عنها.

وفي هذا السياق، يمكن التفكير ـ يضيف ـ في إنشاء منصة رقمية أو تطبيق خاص، على غرار بعض المنصات الموجهة للتبليغ عن مختلف المخالفات، يسمح للمواطنين بإرسال صور أو فيديوهات، توثق عمليات الرمي العشوائي للنفايات، بما يساعد المصالح المختصة على رصد المخالفات، والتدخل بشأنها، وفق إطار قانوني واضح، لافتا في السياق، إلى أن بعض الدول، عملت على مثل هذه الآليات التي تجمع بين المراقبة والتبليغ والعقوبة، إذ أصبحت الكاميرات ووسائل التكنولوجيا الحديثة، عاملا مساعدا في رصد المخالفات البيئية، وهو ما يؤكد أهمية الاستفادة من التجارب الناجحة، وتكييفها مع الواقع المحلي.

حادثة قسنطينة، يؤكد المختص الاجتماعي، التي تحولت إلى فاجعة حقيقية، تؤكد على أن النظافة والمحافظة على البيئة ليستا مسؤولية مؤسسات الدولة وحدها، وإنما سلوك جماعي، يبدأ من الفرد والأسرة، ويمتد إلى المجتمع ككل. وبينما تبقى التوعية والتحسيس ضروريين لتغيير العقليات، فإن تفعيل القوانين وضبط آليات المراقبة والتبليغ والعقوبة، قد تكون عوامل أساسية، للحد من السلوكيات التي تهدد نظافة المحيط، بل وحياة المواطنين.