تلاميذ يتحايلون لإدخاله إلى المؤسسات التربوية
لهذا يصعب على الأبناء الاستغناء عن هواتفهم
- 131
رشيدة بلال
❊ مختصون يدعون إلى بناء ثقافة المواطنة الرقمية
وجد بعض المتمدرسين، على خلفية قرار الإحالة على مجلس التأديب، الذي أقرته وزارة التربية الوطنية في حق التلاميذ، الذين يقومون بالتصوير داخل الأقسام، والبث المباشر من داخل المؤسسات التربوية، صعوبة في التخلي عن هواتفهم النقالة، وعدم إرفاقها إلى المدرسة، بالنظر إلى الارتباط الوثيق الذي أصبح يجمع التلميذ بهذا الجهاز، وتجاوز حد الإدمان، مقابل صعوبة التقيد بتعليمات النظام الداخلي للمؤسسة..."المساء" حاولت تسليط الضوء على الأسباب الخفية وراء هذا الارتباط الكبير بالهاتف، والوقوف عند رأي المختصين في الموضوع.
في استطلاع للرأي، شمل عددا من المتمدرسين في الطورين المتوسط والثانوي، حاولت "المساء" استقصاء الأسباب التي جعلت التلميذ يجد صعوبة في التخلي عن هاتفه النقال، خلال الفترة التي يلتحق فيها بالمؤسسة التعليمية، فجاءت الإجابات متباينة ومختلفة من تلميذ إلى آخر، غير أنها في المجمل، عكست وجود ارتباط وثيق، وألفة جعلت الانفصال بين الطرفين أمرا صعبا، إلى درجة أن الهاتف أصبح بالنسبة إلى البعض، جزءا من حياتهم اليومية التي يصعب الاستغناء عنها.
فمثلا، تقول تلميذة "حنان. ف« في الطور الثانوي، مقبلة على اجتياز شهادة البكالوريا، في معرض حديثها، إنه من غير الممكن أن تستغني ولو للحظة عن هاتفها، مؤكدة أنها تقوم بإخفائه عند الدخول إلى المؤسسة، ثم تتصفح حسابها على "إنستغرام"، بمجرد الخروج إلى الاستراحة. كما تعتمد عليه في التواصل المستمر مع معلميها، لضبط مواعيد الدروس الخصوصية، وفي التواصل مع زميلاتها، بالتالي، حسبها، لا يمكنها التخلي عنه.
أوضحت تلميذة أخرى، أن الهاتف أصبح بمثابة الرفيق الذي لا يمكن الاستغناء عنه، مؤكدة أنها يمكن أن تنسى أي شيء من مستلزماتها الدراسية، إلا الهاتف. وأشارت في السياق ذاته، إلى أنها مدمنة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن أول شيء تقوم به عند الاستيقاظ من النوم، هو تصفح ما يجري تداوله، مضيفة أن إحضارها للهاتف إلى المؤسسة يتم خفية، وتقوم باستعماله خلال فترة الاستراحة فقط.
وفي السياق ذاته، علقت تلميذة أخرى بأنها لا تتخيل نفسها من دون هاتف. وأضافت أنها تستعمله داخل المدرسة خفية، وعادة للاطلاع على حساباتها أو تصفح ما يجري تداوله من أخبار، مؤكدة أنها أصبحت عاجزة عن عدم متابعة هذه المواقع، بسبب إدمانها عليها.
وإذا كانت هذه آراء الإناث، فإن آراء الذكور كانت بدورها لافتة، حيث تباينت بين من قال، إنه مدمن على بعض الألعاب، وأصبح يجد صعوبة في عدم الولوج إليها ولعبها، وبين آخرين أوضحوا أنهم يملكون صفحات ومواقع ترويجية، بالتالي من الصعب، حسبهم، عدم تصفح ما تم تداوله عليها.
وأوضح آخرون، أن ارتباطهم بمواقع التواصل الاجتماعي شبيه بالإدمان الحقيقي، وأن عدم استعمال الهاتف خلال اليوم، أمر مستحيل، ولو كان ذلك لمجرد التصفح. بينما ذهب آخرون إلى التأكيد، بأنهم يملكون قنوات، وبحاجة مستمرة إلى تفعيلها بمحتويات جديدة، من أجل الرفع من نسبة المشاهدات، بالتالي فإن عدم الاطلاع عليها خلال اليوم، أمر مستحيل بالنسبة إليهم.
وذهب بعض التلاميذ إلى أبعد من ذلك، بالتأكيد أن حرمانهم من الهاتف خلال فترة التمدرس، أمر شبه مستحيل، وأنهم يرفقون هواتفهم خفية ويستعملونها في فترة الاستراحة. وعلى حد قول أحد التلاميذ بإحدى ثانويات العفرون، فإنه يملك مجموعة كبيرة من الأصدقاء، ويحتاج في بعض الأحيان، إلى الوقت للاطلاع على كل من تواصل معه، بالتالي فإن حرمانه من الهاتف أمر مستحيل.
التربية قبل المنع وبناء ثقافة المواطنة الرقمية
يبدو أن صعوبة الفصل بين التلميذ وهاتفه النقال، أصبحت، حسب غالبية المراهقين، الذين تحدثت إليهم "المساء"، أمرا صعبا، حيث يتحينون الفرص من أجل استخدامه داخل المدرسة، رغم التعليمات التي تمنع ذلك. في هذا السياق، يطرح عمر بن عودة، باحث ومختص في الشأن التربوي، سؤالا مفاده: "هل تكفي القواعد التنظيمية وحدها لضبط سلوك التلميذ داخل المؤسسة التعليمية؟". ويجيب المختص بالتأكيد، بأن القواعد التنظيمية وحدها لا تكفي، موضحا أن القانون والنظام الداخلي يحددان الإطار، لكن التربية هي التي تبني السلوك. لذلك، فإن مواجهة الظاهرة تحتاج، حسبه، إلى الانتقال من منطق "منع الهاتف" فقط، إلى منطق أوسع، يتمثل في بناء ثقافة المواطنة الرقمية.
ويضيف أن التلميذ يحتاج إلى أن يفهم، لماذا لا يجوز له تصوير زميله دون احترام خصوصيته، ولماذا لا يجوز له تصوير أستاذه، ثم نشر المقطع، ولماذا لا تعني حرية استعمال الهاتف امتلاك الحق في نشر صور الآخرين. كما يحتاج أيضا إلى إدراك أن الضغط على زر "البث المباشر" ليس فعلا بلا تبعات، وأن المحتوى الرقمي يمكن أن ينتشر بسرعة أكبر بكثير مما يتصور. يؤكد المختص: "هنا يأتي الدور المحوري للأسرة، فالأسرة شريك أساسي في بناء السلوك الرقمي للأبناء، لأن الاستخدام المسؤول للهاتف، لا يبدأ من باب المؤسسة التربوية فقط، وإنما يبدأ في البيت أيضا".
ومن المهم، حسب المختص، أن يتعلم الأبناء منذ سن مبكرة، أن الصورة الشخصية للآخر ليست ملكا لمن التقطها، وأن إعادة نشر محتوى محرج لشخص آخر، ليست مجرد مشاركة عابرة، بل يمكن أن تكون سببا في أذى حقيقي. وتكتسب هذه التربية أهمية أكبر، بالنظر إلى طبيعة مرحلة المراهقة، حيث تكون هذه المرحلة أكثر حساسية، لارتباطها ببعض المؤشرات، مثل الإعجاب والمتابعين والمشاهدات، قد تؤثر في سلوك المراهقين بدرجة أكبر.
ومن هنا، يمكن فهم جانب من دوافع تصوير بعض التلاميذ لما يحدث داخل المؤسسة، إذ أن المسألة قد لا تكون دائما رغبة في الإساءة، وإنما قد ترتبط أحيانا بالرغبة في الحصول على الانتباه، أو الضحك أو التفاعل أو تحقيق "الترند". غير أن حسن النية، إن وجد، لا يلغي ضرورة احترام حقوق الآخرين. ويؤكد المختص، أن المراهق قد لا يدرك بصورة كاملة، النتائج المستقبلية لنشر مقطع في الوقت الحالي، لذلك تقع على عاتق المدرسة والأسرة، مسؤولية مساعدته على التفكير قبل النشر، من خلال طرح أسئلة بسيطة، لكنها مهمة: من سيشاهد هذا المقطع؟ هل وافق الشخص الظاهر فيه؟ وهل يمكن أن يسبب له ضررا؟
ويختم عمر بن عودة، بالتأكيد على أن الجهود المتواصلة التي تبذلها وزارة التربية الوطنية، من أجل الارتقاء بالمدرسة الجزائرية وتحسين أدائها، من خلال معالجة مختلف الجوانب المرتبطة بالعملية التربوية، من التنظيم والتكوين وتحسين ظروف التمدرس، إلى تعزيز الانضباط وحماية الجماعة التربوية وترسيخ القيم داخل المؤسسات التعليمية، يأتي في ظل تحديات جديدة، فرضها الانتشار الواسع للهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي.
فالمدرسة الجزائرية اليوم، لم تعد تواجه التحديات التقليدية المرتبطة بالتعلم والتحصيل والانضباط فحسب، بل أصبحت أمام ظواهر جديدة، تستدعي تضافر جهود جميع المعنيين من أجل حماية المتمدرسين، بدءا من الأسرة، التي تعتبر شريكا أساسيا في بناء السلوك الرقمي للأبناء، وصولا إلى المدرسة، التي يقع على عاتقها توجيه التلميذ نحو الاستخدام المسؤول والآمن للتكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي.