بين صدمة الرسوب ونشوة النجاح المفرطة
مشاكل صحية.. الوجه الآخر لنتائج الامتحانات
- 156
نور الهدى بوطيبة
مع نهاية كل موسم دراسي وبداية إعلان نتائج الامتحانات تدخل مئات العائلات في حالة ترقب وقلق. وتمر أيام طويلة يعيش فيها التلميذ بين الدعاء والخوف والأمل، بينما يعيش الأولياء بدورهم، ضغطا لا يقل صعوبة، فالجميع ينتظر تلك اللحظة التي قد تتحول في ثوان قليلة، الى فرحة كبيرة أو صدمة قاسية. وفي كثير من الأحيان لا تكون المشكلة في النتيجة نفسها بقدر ما تكون في طريقة استقبالها، والتعامل معها داخل البيت، لأن بعض الكلمات قد تبني نفسية طفل لسنوات. وبعض التصرفات قد تهدم ثقته بنفسه، في لحظة ضعف يحتاج فيها الى الاحتواء أكثر من أي شيء آخر. ولهذا أصبحت فترة ما بعد النتائج من أكثر الفترات حساسية داخل المجتمع خاصة مع تزايد الضغط النفسي على التلاميذ، وارتفاع المقارنات بين الأبناء والأقارب وحتى الأصدقاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
يبقى النجاح حلما جميلا لكل تلميذ، ولكل أسرة، لكنه في بعض الأحيان يتحول الى ضغط جديد حين يصبح الطفل مطالَبا دائما بأن يكون مثاليا، وأن يحافظ على نفس المستوى مهما كانت ظروفه النفسية، أو الاجتماعية أو الصحية، بينما يتحول الرسوب عند بعض العائلات الى نهاية العالم، فيتعرض التلميذ للتوبيخ، والإهانة، واللوم القاسي؛ وكأنه ارتكب خطأ لا يُغتفر. وبين فرحة مبالغ فيها وحزن مدمر قد تضيع نفسية الأبناء في لحظة، ويصبح الطفل هو الضحية الحقيقية لردود أفعال قد تكون عفوية أحيانا، أو طبيعية، ناتجة عن خوف الأولياء، لكنها تترك أثرا عميقا داخله، ولهذا يؤكد مختصون في علم النفس والتربية أن التلميذ بعد ظهور النتائج يحتاج الى الدعم والهدوء أكثر من أي وقت آخر، سواء نجح أو رسب، لأن هذه المرحلة قد تحدد نظرته لنفسه، ولمستقبله لسنوات طويلة.
وفي حديثه عن هذه الظاهرة أكد هشام بن بكري، مختص نفساني اكلينيكي، أن الكثير من الأولياء يعتقدون أن الضغط المستمر على الأبناء هو الطريق الوحيد نحو النجاح. لكن الحقيقة أن الخوف الزائد قد يدمر ثقة الطفل بنفسه، ويجعله يعيش قلقا دائما حتى بعد تحقيق نتائج جيدة. وأضاف أن بعض التلاميذ لا يخافون من الرسوب بقدر خوفهم من ردة فعل الأهل، خاصة حين يسمعون عبارات جارحة مثل "لقد خيبت أملنا"، أو "ابن فلان أفضل منك"، او "انظر إلى فلان كم هو ناجح! "، وغيرها من عبارات المقارنة، والتي، حسب المختص، تزرع الإحساس بالنقص داخل الطفل، وتجعله يشعر أن قيمته مرتبطة فقط بالمعدل الدراسي وليس بشخصيته، وقدراته الأخرى أو مهاراته المختلفة..
وحذّر الإكلينيكي من الفرحة المبالغ فيها عند النجاح، لأن بعض العائلات تحوّل ابنها الناجح الى مشروع ضغط دائم، فيصبح مطالَبا بالحفاظ على صورة التلميذ المثالي طوال الوقت، ما يجعله يعيش خوفا مستمرا من الفشل مستقبلا. وهناك تلاميذ يعانون في صمت بعد النجاح؛ بسبب هذا النوع من التوقعات العالية، خاصة عندما يشعرون أن محبتهم داخل البيت أصبحت مرتبطة، فقط، بالتفوق الدراسي. وأضاف المختص أن الفرحة الزائدة قد تسبب مشاكل صحية؛ فصدمة الفرحة المبالغ فيها والتي لا يعرف الطفل كيف يديرها، قد تصيبه بضغط مختلف، وقد تهدد حتى سلامة قلبه، وعليه يتعين على الأولياء تبسيط الأمور قبل بروز النتائج لاستقبالها بطريقة طبيعية؛ لا مبالغةَ ولا ضغط فيها؛ حتى لا تتحول النشوة والصدمة الى مشكلة صحية.
وحدثت "المساء" إحدى الأمهات عن تجربتها مع ابنها الذي رسب لأول مرة العام الماضي، قالت إنها في البداية فقدت أعصابها، ووبخته بقسوة؛ بسبب خوفها على مستقبله. لكنها اكتشفت بعد أيام أنه دخل في حالة صمت، وعزلة، ورفض الحديث مع الجميع، حينها شعرت أن كلماتها كانت أقسى من النتيجة نفسها. وأكدت أن الأمر دفعها الى محاولة الاقتراب منه بهدوء، وتشجيعه على المحاولة من جديد، لتكتشف أن ابنها لم يكن يحتاج الى العقاب، بل الى من يسمعه، ويفهم خوفه، ويديره بإحكام.
وفي المقابل، يروي تلميذ آخر كيف عاش ضغطا كبيرا بعد نجاحه بمعدل مرتفع، حيث أصبح يسمع يوميا عبارات من نوع: "يجب أن تبقى دائما الأول"، ولا يحق لك التراجع. وغيرها من عبارات الضغط، مضيفا: "رغم سعادة الجميع به إلا أنه شعر بثقل كبير فوق كتفيه، وخوف من أي فشل مستقبلي، قد يجعله يفقد صورة التلميذ المتفوق التي رسمها الجميع عنه".
هذه الشهادات تكشف أن التلميذ في هذه المرحلة لا يحتاج فقط الى الاحتفال أو اللوم، بل يحتاج قبل كل شيء الى التوازن، يقول الخبير النفساني؛ فالنجاح لا يعني أن الطفل أصبح أفضل من غيره. والرسوب لا يعني أبدا أنه انتهى أو فشل في الحياة، مؤكدا أن من حققوا نتائج كبيرة في الدراسة ليس بالضرورة أنهم نجحوا لاحقا في حياتهم المهنية والاجتماعية، والعكس.
وشدد المختص في الأخير على أن الأولياء مطالَبون بنشر الطمأنينة داخل البيت، والاستماع الى الأبناء بدل تخويفهم، وتشجيعهم على المحاولة بدل الشعور بخوف الفشل؛ فالطفل حين يشعر بالأمان داخل أسرته يصبح أقوى في مواجهة الفشل والنجاح معا. كما إن الاحتفال المعتدل بالنجاح يبقى أفضل من المبالغة، التي قد تدفع بعض التلاميذ الى التوتر، والتعب، وحتى المشاكل الصحية؛ بسبب الانفعال الشديد، وفترة ما بعد النتائج؛ يقول هشام بن بكري: "يجب أن تكون فرصة لتعزيز الحوار داخل العائلة وليس لبناء الحواجز والخوف".