حلقة مفرغة تتكرر كل شهر

موظفون يستدينون حفاظا على صورتهم الاجتماعية

موظفون يستدينون حفاظا على صورتهم الاجتماعية
  • 172
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

ينتظر الكثير من العاملين، الراتب الشهري، بقدر ما ينتظرون موعد سداد القرض، رغم أن دخل كثير منهم مستقر ومنتظم، في مشهد بات مألوفا، يتكرر كل مرة، بسبب التزامات مالية تفوق أحيانا قدرتهم الحقيقية، إذ لم تعد الظاهرة مع الوقت حالة فردية، برزت معها نفقات ثانوية، وأصبحت واقعا اجتماعيا يعيشه آلاف الأشخاص، ممن ينفقون أكثر مما يكسبون، لمجرد الحفاظ على صورة اجتماعية يراها هؤلاء ضرورية.

اللافت أن أغلب هؤلاء ليسوا عاطلين عن العمل، ولا محتاجين بالمعنى التقليدي، بل موظفون، وإطارات متوسطي الدخل، لكن ضغط المظاهر، وتكاليف الحياة المتزايدة، والرغبة في العيش مثل الآخرين، دفعتهم إلى الاعتماد المستمر على القرض، لتغطية مصاريف شهرية عادية، مثل إيجار، شراء أثاث أو هاتف جديد، أو حتى مناسبات اجتماعية أو اقتناء ملابس أو للقيام بخرجات وعطل، كلها مصاريف يرى هؤلاء أنها ضرورية ولا يمكن التخلي عنها، فيضطرون للاستدانة من قريب أو صديق، أو حتى من صاحب العمل، إلى حين تسديد القرض في الشهر الموالي.

الاستدانة ليست استثناء بل قاعدة

أوضح أستاذ الاقتصاد، الدكتور سامي بن حمدان، في حديث “المساء”، أن الاقتراض للاستهلاك اليومي لحاجيات ثانوية، أصبح جزءا من نمط العيش اليومي، وليس حلا ظرفيا، كما يعتقد، بل جزء من روتين يتكرر كل شهر، وأشار إلى أن المشكل الأساسي ليس في القرض بحد ذاته، بل في استعماله لسد نفقات متكررة، وليس لاستثمار أو حالة طارئة أو حالة ظرفية، بل يلجأ البعض إليه كل نهاية شهر، عندما يصبح الراتب غير كاف لتغطية المصاريف، مشددا على أن هذه العادة في تسيير النفقات وإدارة الراتب أو الأجر الشهري، هو مؤشر خطير ودليل على اختلال التوازن بين الدخل وتكاليف المعيشة.

ويضيف المختص، أن سهولة الحصول على دين من عند صديق أو قريب، هو ما يشجع الكثيرين على الإنفاق دون حساب، كما أن ارتفاع الأسعار، مقابل أجور شبه ثابتة، هو ما يدفع أحيانا الموظف إلى الاقتراض للحفاظ على مستوى عيش لا يتناسب مع دخله الحقيقي، لتكون النتيجة حلقة مفرغة، وهي الاستدانة لتسديد دين قديم، وضغط نفسي دائم، وانعدام القدرة على الادخار أو الاستثمار.

الصورة الاجتماعية أهم من القدرة المالية

من جانبه، يرى خبير علم الاجتماع، مراد عباس، أن الظاهرة أبعد من محاولة التوفيق بين حاجيات والنفقات، بل هي ظاهرة لها بعد اجتماعي ونفسي عميق، موضحا أن كثير من الناس لا ينفقون بدافع الحاجة فقط، بل بدافع الخوف من نظرة المجتمع، أو حتى الرغبة في إعطاء صورة ليست حقيقية، وهو راجع أحيانا، إلى التأثر بما يظهر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فهناك ضغط غير معلن، يدفع الفرد إلى مسايرة محيطه، حتى ولو كان ذلك على حساب استقراره المالي.

أكد المتحدث، أن وسائل التواصل الاجتماعي زادت من هذا الضغط، حيث تعرض أنماط عيش مثالية لا تعكس الواقع الحقيقي، ما يجعل الموظف يشعر أنه مطالب بامتلاك سيارة، وهاتف حديث، وتنظيم مناسبات مكلفة، مع عدم تفويت عيد ميلاد الأطفال، أو تنظيم رحلة، أو حتى دفع ايجار بيت يفوق قدرته المالية، بحثا عن رفاهية مطلقة، كلها سلوكيات بدافع مشترك، وهي تفادي نظرة المجتمع على أن الشخص فاشل أو متأخر اجتماعي، وكأن المجتمع له معيار ثابت للعيش وفقه.

يحذر الخبير، من أن هذا السلوك لا يؤثر فقط على الوضع المالي، بل يمتد إلى الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، حيث يتحول القلق المالي إلى توتر دائم داخل البيت، لاسيما إذا كان أحد الطرفين لا يتوافق مع الطرف الثاني في تلك النفقات، كمطالبة الزوجة الزوج بأمور تفوق القدرة المالية، أو بحث الزوج عن نفقات لا أهمية لها، كسيارة لا يتحمل تكاليفها فقط لمجرد الشعور بالرضا داخل المجتمع، مؤكدا أن كثير من تلك الصور التي تتكرر في هذا الصدد، يجب الحذر منها، لعدم الوقوع في ضغوطات مالية، تكاد لا تنتهي شهرا بعد آخر.