فيما يطالب الأولياء بمنح أبنائهم فرصة التعافي... مختصون:
هذه أسباب زيادة أعداد المصابين بطيف التوحد
- 221
كمال لحياني
شهدت الجزائر في السنوات الأخيرة، تزايدا ملحوظا في حالات المصابين بـ«طيف التوحد”، إذ تشير التقارير الصادرة عن المنظمة العالمية للصحة، ومديرية السكان التابعة لوزارة الصحة الجزائرية، إلى إحصاء ما يقارب نصف مليون طفل مصاب، وقد دفع هذا الوضع مختلف الجمعيات الناشطة في المجال، والأخصائيين النفسانيين، إلى إطلاق تحذيرات جدية، بضرورة وضع استراتيجية وطنية عاجلة، تضمن التكفل الأمثل بهذه الفئة.
في ظل نقص الإمكانيات والمراكز المتخصصة، يواجه أولياء الأطفال المصابين بالتوحد، ضغوطاً هائلة ومعاناة يومية، نتيجة القلق على مستقبل أبنائهم، وصعوبة إدماجهم في المجتمع، فضلا عن تناقل انشغالاتهم بين مختلف الهيئات والوزارات، دون التوصل إلى حلول نهائية وعملية. ورغم النداءات المتكررة التي رفعتها الجمعيات المتخصصة، والتي حذرت من أن مستقبل هذه الفئة أصبح على المحك، لا تزال الجهات المختصة بطيئة في التحرك.
في هذا السياق، يُجمع رؤساء الجمعيات الناشطة في هذا المجال، على أن ولاية تيبازة، على سبيل المثال، تسجل تزايدا سنويا في عدد الحالات، والتي وصلت هذا العام إلى أكثر من 100 طفل متوحد، مع استقبال شكاوى وانشغالات يومية من الأولياء، وقد راسل ممثلون عنهم المصالح الولائية والوزارات المعنية، وعبر هؤلاء عن استيائهم للوضع الذي يرافق مرضى التوحد وأوليائهم، مؤكدين “غياب أدنى شروط التكفل الصحي”، وقال المشتكون إن الجهات المختصة لم توفر سبل تجميع المصابين في مركز واحد، كما تفعل مع الأطفال الصم والبكم، وقال أيضا ممثلو الأولياء: “سجلنا إقصاء العشرات من الأطفال من التدريس، بسبب نقص الإمكانيات، من جهة، ورفض المؤسسات التربوية استقبالهم، خاصة بالنسبة للأطفال المعروفين بالعدوانية والانعزال الكبير، من جهة أخرى”، معتبرين أن هذا الإقصاء والتهميش، أدى إلى تدهور حالة هذه الفئة وتعقيدها.
المطالبة بلجنة وزارية مشتركة
رفعت الجمعيات الناشطة، نداء عاجلا إلى مختلف الوزارات المعنية، بما فيها وزارة التربية ووزارة التضامن الوطني ووزارة الصحة، تطالب فيه بتشكيل لجنة وزارية مشتركة، تتولى التنسيق لوضع برنامج نفسي وتربوي وصحي، والبحث في أسباب تزايد الإصابات بين الأطفال، إضافة إلى وضع استراتيجية وطنية شاملة، للتكفل بهذه الفئة ومساعدة الأولياء وأبنائهم على تجاوز هذه المرحلة الحساسة.
تأثير الحجر الصحي على حالات التوحد
يقول رشيد رحالي، رئيس جمعية التوحد لولاية البليدة، إن جمعيته التي تضم العديد من المختصين النفسانيين وأطباء الأطفال، سجلت تعقد حالات الأطفال المصابين بالتوحد، بعد فترة الحجر الصحي، نتيجة إغلاق مقر الجمعية وبعض المراكز المتخصصة، بسبب الإجراءات الاحترازية، وقد أدى ذلك إلى تعذر تطبيق البرنامج المسطر من طرف المختصين، لمتابعة تطور حالات الأطفال ومرافقتهم.
ويؤكد رحالي، أن جمعيته سجلت سلوكات غريبة لدى بعض الأطفال، بسبب بقائهم لفترة طويلة داخل البيت، وانقطاعهم عن العالم الخارجي خلال الحجر الصحي.
ويشير إلى أنه، قام بالتنسيق مع مختلف الجمعيات الناشطة في الولايات الجزائرية، لصياغة تقرير نهائي شامل، سيقدم للوزارات المعنية، بهدف تحريك هذه الهيئات ووضع خطة وطنية عاجلة للتكفل بالمرضى، وضمان المرافقة النفسية والاجتماعية للأولياء، مع توجيه الجمعيات حديثة التأسيس وتطوير عملية التأهيل لديها، وقد تم التفكير مستقبلا في “التأهيل عن بعد” و«التأهيل الافتراضي”، وهي تجربة أثبتت نجاحها على مستوى الجمعية، والمركز الذي ينشط فيه.
عوامل انتشار الظاهرة
من جهته، يقول الدكتور عبد القادر حياديحين، أستاذ محاضر في علم النفس بجامعة تيبازة، وصاحب دراسات متخصصة في مجال الطفولة والتربية، “إن ظاهرة انتشار التوحد تزداد بشكل مخيف”، ورغم غياب الإحصائيات الدقيقة، يؤكد الكثير من المعلمين والمشتغلين بالتربية، أن عدد الأطفال المضطربين، ومنهم المصابون بالتوحد، الذين يلتحقون بالمدارس كل سنة، يزداد باستمرار. كما يتزايد عدد المقبلين على طلب المساعدة النفسية لدى المؤسسات والهيئات ذات العلاقة، وطالبي المساعدة النفسية والإرشادية لدى المختصين من قبل الأولياء والأطفال.
وأوضح حياديحين، أن العديد من الدراسات، ترجع زيادة اضطراب التوحد إلى عدة عوامل، منها “نقص الرعاية الوالدية وغياب الاهتمام، بسبب انشغال الأولياء، وخاصة الأم، بالعمل خارج البيت، مما يحرم الطفل من التغذية الجيدة والصحية ومن فرص التواصل والإشباع العاطفي، ما يحرمه من فرص التفاعل الاجتماعي واللعب مع الأقران، بسبب حجزه في البيت أو مع كبار السن، وهوما يفوت عليه فرصا مهمة في التعلم الاجتماعي من أمثاله من الأطفال”.
ويشير المختص، إلى أن مهارات الحوار والتواصل والتفاوض وإدارة الصراع، وغيرها من المهارات الاجتماعية التي تصقل شخصية الطفل وتؤهله للحياة، لا يمكن تعلمها إلا في السياقات الطبيعية، التي تتيحها البيئة الخارجية، سواء في الحي أو النوادي أو الملاعب والساحات الخضراء. وفي مقابل ذلك، يصرف الطفل نحو استخدام الهاتف النقال واللوحات والألعاب الإلكترونية بشكل مفرط، وفي سن مبكر، حتى يصل إلى درجة الإدمان، مما يحرمه من النمو السوي عقليا ووجدانيا وحسيا وحركيا، لينتج عن ذلك الانقطاع عن العالم الخارجي، اضطرابات كثيرة من فقدان الثقة بالنفس والعجز عن التواصل مع الآخرين، والخوف والخجل والعدوانية الزائدة، وعدم القدرة على بناء علاقات سوية.
غياب الوعي وتأخير التشخيص
يشير الدكتور حياديحين، إلى أن هذه المشكلات قد لا تظهر في السنوات الأولى من حياة الطفل، لكنها تبرز بوضوح مع التحاقه بالمدرسة وعجزه عن التكيف ومواكبة أقرانه، ليصاب الوالدان بالصدمة، غير أن الوقت يكون قد فات، ويكون تدارك الوضع صعبا جدا، ويضاف إلى ذلك، غياب الوعي ونقص الثقافة النفسية والتربوية لدى الوالدين حول التوحد، مما يدفعهم إلى الاعتقاد بأن الأمر مجرد مشكل عارض، سيزول مع مرور الوقت، بمجرد التحاق الطفل بالمدرسة واحتكاكه بزملائه الأسوياء، هذا الاعتقاد الخاطئ، يفوت على الطفل المتوحد فرصة التكفل المبكر، لأن التأخير في تشخيص التوحد يزيد من صعوبة العلاج، والتخفيف من آثاره على حياة الطفل، ومساره الدراسي والاجتماعي.