طقوس ترافق الطفل في أول يوم له بالمدرسة
“السفنج” و”الغرايف” و”قطعة سكر”... “فال” تحصيل علمي جيد
- 244
سميرة عوام
يتميز الدخول المدرسي الأول للأطفال في عنابة، بأجواء احتفالية عائلية، تحيي أجمل العادات والتقاليد الشعبية، إذ تجمع هذه اللحظات بين فرحة الأهل، وأمنياتهم القلبية لبداية سنة دراسية موفقة، مملوءة بالنجاح والتميز لأبنائهم الصغار، الذين يخطون أولى خطواتهم نحو مقاعد الدراسة.
تبدأ التجهيزات الخاصة بهذا الدخول المدرسي، قبل أيام من الموعد الرسمي، في أسواق ومحلات مدينة عنابة، حيث تسارع الأمهات والآباء إلى اختيار أجمل الملابس الجديدة للأبناء، بالإضافة إلى المئزر المدرسي، الذي يعتبر رمزا للانضباط والالتحاق بالمدرسة. كما يتم اختيار المحفظة وكل الأدوات المدرسية بعناية فائقة، وذوق جميل، مما يدفع الطفل ويشجعه على الذهاب إلى المدرسة، والتعرف على أصدقائه الجدد. الأمر الذي يزيد من حماسه وشوقه لاكتشاف كل ما هو جديد عليه، إلى جانب التقائه بالمعلمين.
وفي المساء الذي يسبق اليوم الأول، تعم البيت العنابي حركة غير عادية، وأجواء مليئة بالنشاط والحيوية والأمل، إذ تجتمع الأسرة كلها في الدار، وسط أجواء ملؤها المحبة والشغف، فيرتدي الطفل ثيابه الجديدة ويحمل محفظته على ظهره، ليتصدر الموقف وتلتقط له أجمل الصور التذكارية، عشية الدخول المدرسي. هذه الصورة لا تعتبر مجرد لقطة عابرة في الهاتف، بل وثيقة تاريخية عزيزة تحفظها العائلة في ألبوم الذكريات، ليعود إليها الطفل عندما يكبر، ويسترجع كيف كانت بدايته الأولى وخطواته الصغيرة على طريق العلم والتعليم والنجاح.
طقوس بمعانٍ محفزة
لا يمكن أن تكتمل هذه المناسبة في بيوت عنابة، دون الحضور القوي للمطبخ التقليدي، الذي يعطر البيت بأطيب الروائح الزكية، ففي صباح أول يوم من المدرسة، تتأهب الأمهات والعائلات العنابية لإعداد أطباق تقليدية خاصة، في مقدمتها “السفنج أو “الخفاف” و«القرصة أو الغرايف”، وهو اختيار غير عشوائي، بل يحمل عدة معاني، كفأل خير للتلميذ في مستقبله. فالسفنج بعجينته الخفيفة المنتفخة يُعد بمثابة أمل في أن يكون عقل التلميذ خفيفا في الفهم، وسريعا في الاستيعاب والحفظ، ولتكون سنته الدراسية خفيفة وميسرة دون أي صعوبات، أما “القرصة” أو “الغرايف” بثقوبها الكثيرة، فتحضر أملا في أن تفتح أمام الطفل أبوابا كثيرة ومتعددة من الخير والنجاح والتميز والتفوق.
ومن أجمل العادات العنابية الأصيلة، التي تميز هذا اليوم التاريخي في حياة التلميذ؛ ما تفعله الأم صبيحة الدخول المدرسي، قبل خروجه من الباب، فقبل أن يغادر الطفل عتبة البيت متوجها نحو المدرسة بخطواته الأولى، تضع الأم في فمه قطعة سكر أو حبة حلوى صغيرة، وهذه اللمسة الحنونة تحمل ترجيا ودعاء صادقا، بأن تكون سنته حلوة وجميلة مثل السكر، وأن ينطق دائما بالخير وتكون كلماته، وأيامه مليئة بالسعادة والنجاح والفوائد والنتائج الممتازة.
الفأل يعم الجميع
الأمر الجميل في هذه الاحتفالية العنابية، أنه لا يقتصر فقط على أطفال السنة الأولى ابتدائي، الذين يخطون خطواتهم الأولى نحو المدرسة، بل يمتد لشمل أبناء العائلة الآخرين في مختلف المراحل التعليمية. فالذين انتقلوا من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة المتوسطة، والناجحون في شهادة التعليم المتوسط والمتجهون نحو المرحلة الثانوية، ينالون جميعا نصيبهم من هذه الاحتفالية المميزة، حيث تعد لهم الأمهات نفس الأطباق التقليدية، من “سفنج وغرايف”، تجديدا للعهد مع النجاح، وتشجيعا لهم على مواصلة الاجتهاد والتألق في مراحلهم الدراسية الجديدة بكل جد وحيوية.
كما تلعب العائلات والأمهات دورا كبيرا في تهيئة الطفل نفسيا، وإزالة الخوف من قلبه، فبينما يتناول التلميذ حبة “السفنج” الساخنة وقطعة السكر، تستغل الأم هذه اللحظات لتوجيه كلمات التشجيع والدعم، وتذكره بأن المدرسة هي بيته الثاني، الذي سيتعلم فيه أشياء جديدة ويكسب أصدقاء جددا. هذه الكلمات البسيطة الممزوجة بحنان الأبوة، تمنح الطفل ثقة كبيرة في نفسه، وتجعله يذهب إلى المدرسة بروح معنوية عالية، وبابتسامة عريضة ترسم الفرحة على وجهه ووجوه كل أفراد أسرته.
تقاسم الفرحة مع الجيران
من قيم المجتمع العنابي الأصيلة؛ تقاسم الفرحة ونشر البهجة مع الآخرين في كل المناسبات والتقاليد، فبعد تحضير أطباق “السفنج والغرايف” الساخنة، تقوم الأمهات بتوزيع صحون منها على الجيران والأقارب والأحباب، وهي لفتة كريمة لا تطعم فقط الأحبة، بل تجعل الجميع يدعون للتلميذ بالنجاح والتوفيق والستر، لتتحول الفرحة الخاصة بالبيت إلى فرحة عامة، تشمل الحي كله وتزيد من التماسك والمحبة بين كل الأسر والعائلات في المدينة.
تبقى هذه العادات والتقاليد الشعبية البسيطة، من أجمل الصور التي تعكس هوية المجتمع في عنابة، وترابطه القوي بين جميع أفراده، فهي ليست مجرد طقوس للأكل أو أخذ صور تذكارية، بل تشجيع كبير ورسالة حب ودعم تعطى للطفل، ليحس بالدفء والرعاية من عائلته، وتجعل من يومه الأول في المدرسة، ذكرى طيبة ومميزة محفورة في قلبه لا تنسى مدى الحياة.