منارة "رأس الحمراء"

جوهرة عنابة البحرية ووجهة الباحثين عن سحر المتوسط

جوهرة عنابة البحرية ووجهة الباحثين عن سحر المتوسط
  • 373
 سميرة عوام سميرة عوام

تتربع منارة "رأس الحمراء" على الساحل العنابي بمدينة عنابة، لتستقبل زوارها بإطلالة ساحرة تعانق زرقة البحر الأبيض المتوسط، متصدرة المشهد السياحي، كواحدة من أبهى المنارات الممتدة على طول الشريط الساحلي للبلاد.

تقف هذه الأيقونة المعمارية على موقع صخري مرتفع، في أقصى نقطة شمالية للمدينة، لتشرف مباشرة على خليج عنابة الخلاب، الذي يُصنَّف بحق واحدًا من أجمل الخلجان على حوض البحر الأبيض المتوسط. ومن هذا الموقع الاستثنائي، تُقدم المنارة لزائرها مشهدًا بانوراميًا في لوحة واسعة، تتجاور فيها المنحدرات الطبيعية الشاهقة مع امتداد المياه الزرقاء المتموجة، في تناغم طبيعي يفتن الألباب، ويستقطب عشاق الطبيعة والتقاط الصور التذكارية.

وتختزل هذه المنارة، التي باتت محطة رئيسية لكل من يزور مدينة "بونة"، معلمًا فريدًا يجمع بين جمال الطبيعة وروح التاريخ الممتد. فبالإضافة إلى دورها الملاحي المحوري في إرشاد السفن وقوارب الصيد العابرة لمياه المتوسط، تقف المنارة شاهدا على المحطات المفصلية التي شهدتها السواحل البحرية عبر العقود، حاملةً في طياتها تفاصيل غنية بالذاكرة الوطنية والإقليمية التي تناقلتها الأجيال.

ولعل أبرز الصفحات التاريخية التي خلدها هذا الصرح السياحي، تعود إلى فترة الحرب العالمية الأولى، حين تعرضت المنارة للقصف المباشر بتاريخ 4 أوت 1914. ورغم قساوة تلك الأحداث، صمد هذا المعلم أمام الهجمات، ليظل ثابتًا ومحتفظًا بمكانته، متحولًا من مجرد منشأة لإرشاد الملاحة البحرية، إلى شاهد تاريخي حي، يروي للزوار أحداثًا بارزة، شكلت جزءًا مهمًا من ذاكرة المنطقة البحرية. وتتحول منارة “رأس الحمراء”، مع حلول فصل الصيف، إلى قبلة حقيقية لمئات السياح والزائرين يوميًا، حيث يقصدونها للاستمتاع بجمال البحر والنسيم العليل، في موسم صيفي مليء بالنشاط والحيوية.

وتُشكل المنطقة المحيطة بها مساحة سياحية متكاملة، يمتزج فيها عبق التاريخ بسحر الطبيعة، ما يجعلها متنفسًا متميزًّا للأسر والعائلات والشباب، الراغبين في الترويح عن أنفسهم والاستمتاع بهدوء الطبيعة البحرية الخلابة. كما يُوفر المسار الصخري الممتد نحو المنارة فرصة استثنائية لممارسة رياضة المشي والتنزه في الهواء الطلق، إلى جانب استكشاف التنوع البيئي الذي تتميز به الشواطئ العنابية.

في الوقت الحاضر، أضحت منطقة "رأس الحمراء" مقصدًا سياحيًا محوريًا، يتوافد إليه المواطنون والضيوف من مختلف أرجاء البلاد وخارجها، حيث يُتيح الموقع فرصة الاستمتاع بمشاهد الغروب الساحرة، حين تتوارى الشمس خلف أفق البحر الأبيض المتوسط، بينما تشرع المنارة في إرسال ومضاتها الضوئية المنتظمة، لتضيء ليل البحر بجمال وهدوء. وتجسد منارة "رأس الحمراء" الامتزاج المثالي بين الجمال الطبيعي والعمق التاريخي، لتظل دومًا عروسًا على الساحل العنابي، وعنوانًا ثابتًا لجمال مدينة "بونة"، التي لا تتوقف عن إبهار زوارها بسحر سواحلها وعراقة تاريخها البحري.