واحات النخيل والحدائق.. رئات تتنفس في قلب عاصمة "الزيبان"

حين تعانق الخضرة سحر الصحراء

حين تعانق الخضرة سحر الصحراء
  • 81
ربورتاج: نورالدين العابد ربورتاج: نورالدين العابد

تعد ولاية بسكرة، الملقبة بـ"عروس الزيبان"، وبوابة الصحراء الجزائرية، واحة تاريخية وطبيعية فريدة من نوعها، لطالما كانت المنطقة محطة استراحة للقوافل عبر العصور، وملهمة للفنانين والمستشرقين، الذين سحرهم تمازج الخضرة الداكنة للنخيل المثمر، مع ألوان الرمال الذهبية. 

وفي قلب هذا النسيج العمراني الواحاتي، تشكل الحدائق العامة في بسكرة، شبكة من الرئات الخضراء التي لا تقتصر وظيفتها على الجانب الجمالي والبيئي فحسب، بل تمتد لتكون فضاءات حيوية للتعايش الاجتماعي، وملاذاً من حرارة الصيف القاسية، وشواهد حية على حقب تاريخية متعاقبة. وفي هذا الربورتاج، نأخذكم في رحلة استكشافية بين ثنايا أشهر الحدائق العامة بولاية بسكرة، لنتعرف مع بعض على تاريخها، وواقعها البيئي، كمتنفس لا غنى عنه للساكنة والزوار.

حديقة "لاندو" تحفة تاريخية وعالمية في قلب الزيبان

لا يمكن الحديث عن المساحات الخضراء في بسكرة، دون البدء بحديقة "لاندو" التاريخية، التي نشأت هذه في أواخر القرن التاسع عشر (عام 1872)، على يد الكونت الفرنسي "ألبير لاندو"، وتحولت مع مرور العقود، إلى محمية نباتية عالمية ومقصد لكبار الشخصيات التاريخية والأدباء، وعلى رأسهم الكاتب الفرنسي الشهير "أندريه جيد".

التنوع النباتي والهندسة

تمتد الحديقة على مساحة شاسعة، وتضم تشكيلة نباتية نادرة، تم جلبها من مختلف قارات العالم، بما في ذلك أمريكا اللاتينية، إفريقيا الاستوائية وآسيا. وعند السير في ممراتها، تذهلك ضخامة أشجار "البامبو" (الخيزران) المتشابكة التي تحجب أشعة الشمس تماماً، إلى جانب أنواع نادرة من الصبار، وأشجار الفيكس العملاقة، التي تمتد جذورها الهوائية لتلامس الأرض في مشهد مهيب.

ويقول الشيخ "لزهر"، أحد رواد الحديقة الأوفياء:" لاندو ليست مجرد حديقة، إنها قطعة من الجنة وذاكرة حية لمدينة بسكرة"،  مضيفا: "كنا نأتي إلى هنا في شبابنا لطلب الهدوء والمطالعة، واليوم آتي مع أحفاده لاستنشاق الهواء النقي والتمتع بظلالها التي لا تجد لها مثيلاً في حر الصيف".

ورغم عراقتها، تواجه الحديقة اليوم، تحديات تتعلق بالصيانة الدورية، والحفاظ على بعض الفصائل النباتية النادرة من الاندثار، وهو ما يتطلب لفتة مستمرة من السلطات المحلية، التي تبذل ما في وسعها للمحافظة على هذا الكنز، فضلا عن الدور الهام  للمختصين في علم النبات.

حديقة 5 جويلية (جنان البايلك)...القلب النابض لعاصمة الولاية

إذا كانت حديقة "لاندو"، تمثل البُعد التاريخي والنباتي العالمي، فإن حديقة "5 جويلية"، أو كما يعرفها سكان المدينة محليا باسم "جنان البايلك"، تمثل القلب النابض للحياة الاجتماعية اليومية في بسكرة، حيث تقع في موقع استراتيجي بوسط المدينة، مما يجعل الوصول إليها سهلاً لجميع فئات المجتمع.

المرفق العائلي الأول

تتميز حديقة "5 جويلية" بمساحاتها الواسعة، منها المخصصة لجلوس العائلات، وممراتها مهيأة للمشي وممارسة الرياضة الصباحية والمسائية، وهي مزودة بمساحات مخصصة لألعاب الأطفال، من أرجوحات، زحليقات، أكشاك لبيع المرطبات، الشاي الصحراوي الأصيل، والمكسرات، ونافورات مائية تضفي لمسة من الانتعاش للجو الحار.

وخلال فترات الصيف، عندما تتجاوز درجات الحرارة حاجز 45 درجة مئوية، تتحول حديقة "جنان البايلك"، إلى ملاذ ليلي حقيقي، فللا تكاد تجد مكاناً شاغراً بعد صلاة المغرب؛ إذ أن الجميع يهرب من بيوتهم المكيفة، بحثاً عن "نسمة بسكرية" طبيعية بين الأشجار.

حديقة التسلية "بسكرة بارك" والحدائق الحديثة... الاستثمار في الترفيه

مع التوسع العمراني السريع، الذي شهدته الولاية في السنوات الأخيرة، ظهرت الحاجة إلى إنشاء فضاءات ترفيهية حديثة، تدمج بين المساحات الخضراء والألعاب الديناميكية. ومن هنا، برزت حديقة التسلية "بسكرة بارك" وحديقة "الواحات". والكثير من الأعمال المتعلقة بتهيئة تلك الفضاءات، حيث حرصت السلطات المحلية، وعلى رأسها الوالي الذي التزم منذ تراسه للهيئة التنفيذية، بتغيير وجه الولاية، وكانت البداية، بإحداث نقلة نوعية في مجال تهيئة الحدائق وعصرنة الكثير من المرافق.

مزيج بين الخضرة والمغامرة

تعتبر تلك الحدائق الحديثة، مقصداً رئيسياً للعائلات، ليس فقط من داخل ولاية بسكرة، بل حتى من الولايات المجاورة، مثل المغير، أولاد جلال وباتنة، حيث توفر ألعابا للكبار والصغار، من العجلة الكبيرة التي تطل على مناظر المدينة، إلى الألعاب المائية المصغرة.

وبخصوص المساحات الخضراء المصممة حديثا، فقد تم الاعتماد على العشب الطبيعي المقاوم للحرارة، وأشجار النخيل بمختلف أنواعها، لضمان استدامة الغطاء الأخضر، كما حولت المطاعم والمقاهي المنشرة بتلك الفضاءات، المنطقة إلى فضاء متكامل، يقضي فيه الزائر ساعات طويلة دون ملل. كما تلعب الحدائق العامة في ولاية بسكرة، دوراً حيوياً يتجاوز مجرد الترفيه؛ فالأمر يتعلق بالتوازن البيئي للمدينة، إلى جانب وظيفة عمل الأحزمة الخضراء والحدائق، كمصدات طبيعية للرياح المحملة بالرمال (الشهيلي).

وتساهم الكثافة الشجرية، في خفض درجات الحرارة المحيطة بمعدل يتراوح بين 3 و5 درجات مئوية مقارنة بالشوارع الإسمنتية، وتشكل هذه الفضاءات متنفساً ضرورياً لكسر الروتين اليومي، يساهم في تفريغ الضغوط النفسية وسط طبيعة مهدئة للأعصاب.

التحديات والآفاق... نحو رؤية مستديمة لعاصمة الزيبان الخضراء

رغم الجهود المبذولة من قبل بلدية بسكرة، ومصالح الغابات، والمجتمع المدني، إلا أن واقع الحدائق العامة، يواجه جملة من التحديات التي رصدت، منها شح المياه وأنظمة السقي ببعض الحدائق، حيث يُعتبر توفير مياه السقي بانتظام، أكبر عائق أمام الحفاظ على اخضرار العشب والأشجار، مما يستدعي التوسع في استخدام تقنيات السقي الحديثة (بالتقطير)، وإعادة تدوير المياه التطهيرية المعالجة. كما تعاني بعض المتنزهات، من ظاهرة رمي النفايات في غير الأماكن المخصصة لها، وتخريب المقاعد أو ألعاب الأطفال، ما يتطلب تفعيل دور "شرطة البيئة" وتكثيف حملات التوعية. وأمام هذا الوضع، والحاجة إلى توسيع المخطط، مع ظهور أحياء سكنية جديدة وعملاقة (مثل القطب الحضري الجديد)، يطالب المواطنون، بضرورة إدراج حدائق جوارية ومساحات خضراء، ضمن المخططات العمرانية الجديدة، لتفادي نشوء مجمعات سكنية "إسمنتية" جافة، ومضاعفة الجهود التنموية لاستفادة البلديات من مرافق عمومية ترفيهية.

دعوة للمحافظة على الرئة الخضراء

ليست الحدائق العامة بببسكرة، مجرد ترف جمالي، بل ضرورة بيئية وحضارية واجتماعية، تضمن جودة الحياة في هذه الولاية العريقة. فمن سحر "لاندو" التاريخي، إلى حيوية "جنان البايلك" وعصرية "بسكرة بارك"، وغيرها من الحدائق الغنائة التي استحدثت خلال السنوات القليلة الفارطة، تبقى هذه المساحات الخضراء، شاهدة على قدرة الإنسان البسكري على تطويع الطبيعة، وخلق الجمال وسط البيئة الصحراوية.

ويبقى الحفاظ على هذه الثروة الخضراء، مسؤولية مشتركة بين السلطات المناطة بتوفير الصيانة والاستثمار المتواصل، والمواطن الذي يتوجب عليه التحلي بروح المواطنة والوعي البيئي، لحماية هذه الرئات التي تتنفس بها وعبرها عروس "الزيبان".

تجدر الإشارة، إلى أن حديقة لاندو التراثية أو "JARDIN LANDON" أو "حديقة الله"، أنشأت في القرن التاسع عشر من قبل الكونت "ألبارت دو نيجيفل لاندون" (1872-1875)، وكانت مساحتها تضاهي 10 هكتارات، وفي سنة 1959 صُنفت، ثم أعيد تصنيفها في 13 جانفي 1992 من قبل الوكالة الوطنية لحماية الطبيعة "ANN" كحديقة نباتية، بقرار تحت رقم "BOG/037/92"، لتعدد أصناف الكائنات النادرة بها، التي أعتمد جلبها من مناطق مختلف بالعالم، خاصة الاستوائية.

تجدر الإشارة، إلى أن  شجرة "الأكاسيا"، شجرة بسكرة وإفريقيا -حسب- مختصون، وجدت منذ فجر التاريخ وليست شجرة هجينة أو دخيلة، حسبهم، ولا حتى طفيلية، كما يزعم أو يعتقد البعض الذي يتعمد نزعها. فهي شجرة معمرة ظلية تتحمل كل الظروف المناخية، وتفرز الزهور والبذور، وتساهم في التنوع الإيكولوجي وموجودة بالعديد من الأماكن، على غرار المساحات الخضراء، والمجمعات السكنية بمدينة بسكرة، وبطريق بلدية سيدي "عقبة".