خناق مايون بسكيكدة تتذكر الشهيدة زيزة مسيكة
حين يقف جيل اليوم على تضحيات صنّاع الاستقلال

- 105

أحيت بلدية خناق مايون الواقعة أقصى غرب سكيكدة، أوّل أمس الخميس بالتنسيق مع مديرية المجاهدين وذوي الحقوق والمتحف الجهوي لسكيكدة، الذكرى التاريخية 66 لقصف مستشفى جيش التحرير بالولاية التاريخية الثانية، المتواجد بالمكان المسمّى "العارطة" بدوار أولاد جامع، واستشهاد البطلة زيزة مسيكة، في أجواء تميّزت بالذكرى والتذكر، خصوصا أمام مشاركة مجاهدين مازالوا على قيد الحياة من أبطال المنطقة؛ في جو تلاحم فيه الجيل الحالي مع صنّاع الاستقلال.
شهدت هذه الذكرى التي جاءت هذه السنة تحت شعار: "الوفاء لتضحيات الشهداء"، مشاركة كبيرة من قبل السلطات المحلية والدائرية والأمنية، بالإضافة إلى حضور منتخبين ونواب بالمجالس الوطنية المنتخبة، ومديرة المتحف الجهوي المجاهد علي كافي، ومدير المتحف الجهوي بالطارف، ومدير المجاهدين والحماية المدنية، والأسرة الثورية، إلى جانب فعاليات المجتمع المدني ومواطنين؛ حيث تَوجه الجميع مشيا على الأقدام، إلى غاية النصب التذكاري لمستشفى جيش التحرير الوطني، ووقفوا دقيقة صمت، تلتها قراءة فاتحة الكتاب ترحما على أرواح الشهداء، والاستماع إلى النشيد الوطني.
أمّا قاعة المطالعة ببلدية خناق مايون، فقد شهدت تقديم مداخلات من مجاهدين عايشوا القصف الهمجي الذي استهدف المستشفى في خضم الثورة التحريرية، حيث تقاسموا مع الحضور، شهادات حية عن التضحيات الجسام التي قدمها رجال ونساء الجزائر في سبيل الحرية، وعلى رأسهم الشهيدة البطلة مسيكة زيزة. كما عزفت أناشيد وطنية. وبُرمجت مسرحية تاريخية، تناولت جانبا من نضال الأبطال في منطقة العارطة، أداها منتسبون للفرقة الإنشادية والمسرحية التابعة لقاعة المطالعة ببلدية خناق مايون، إلى جانب إقامة معرض تاريخي بالمناسبة، من تنظيم المتحف الجهوي لسكيكدة. كما تمّ بالمناسبة، تسليم للمتحف الجهوي للمجاهد علي كافي، مقتنيات تاريخية ذات قيمة نضالية، ستساهم في تعزيز الذاكرة الجماعية للأجيال الصاعدة، ليختَتم النشاط بتكريم عدد من المجاهدين، وكذا صاحبي أعلى معدلين في امتحانات شهادتي البكالوريا، والتعليم المتوسط.
وأكد المنظمون أنّ هذه الذكرى تُعد من المحطات الهامة في تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية؛ لما تحمله من دلالات على وحشية المستعمر الفرنسي في استهدافه المؤسسات الصحية التابعة لجيش التحرير، ولقيمتها الرمزية في تخليد بطولة نساء ورجال ضحوا بالغالي والنفيس من أجل استقلال الجزائر.
وحسب روايات متطابقة، فإن الشهيدة سقطت في ميدان الشرف يوم 29 أوت 1959 وعمرها لم يكن يتعدى 25 سنة، حينما أغارت طائرة الاستعمار الفرنسي على أعالي منطقة القل (الولاية التاريخية الثانية) بدوار أولاد جمعة. وكانت الشهيدة، آنذاك، مسؤولة إدارة شؤون مستشفى جيش التحرير، فأصيبت، مباشرة، في الرأس.
وحسب شقيق الشهيدة معمر، فإنّ والدته أصرت على التنقل إلى جبال القل للبحث عن جثة ابنتها الشهيدة، وإعادة دفنها في مسقط رأسها بمروانة بمساعدة من المجاهد مراد بعزيز، الذي كان مسؤولا عن منطقة القل، وكان ذلك بعد عدة سنوات.
وعند العثور على قبرها تفاجأوا بعدم تأثر ملامح وجهها وبقية أعضاء جسمها؛ وكأنها استشهدت قبل ساعات قليلة، مع وجود آثار الإصابة القاتلة التي تعرضت لها على مستوى الجبهة.
مسيكة زيزة ـ واسمها الحقيقي "سكينة" ـ تنتسب إلى عائلة مجاهدة، حسبما جاءت في شهادات المجاهدين ومن عرفها عن قرب. من مواليد 28 جانفي 1934 بمدينة مروانة بولاية باتنة. تابعت دراستها الابتدائية في بلدتها الأصلية باتنة. ثم تنقلت إلى سطيف لمزاولة التعليم المتوسط، لتعود مرة أخرى إلى باتنة لمواصلة دراستها الثانوية، حيث تحصلت على شهادة البكالوريا سنة 1953، لتغادر بعدها أرض الوطن نحو جامعة مونبلييه بفرنسا لمتابعة الدراسات العليا في الطب رفقة أخيها إلى غاية 1955، لتقرر العودة من جديد إلى مدينة باتنة. وقبل وقت قصير من الإضراب الطلابي في عام 1956، غادرت باتنة باتجاه مدينة سطيف مع زميلتيها مريم بوعتورة وليلى بوشاوي، لتنضمّ برفقتهما، إلى صفوف المجاهدين كممرضة برتبة عريف في منطقة أولاد عطية وبالضبط في دوار أولاد جامع بالقل، تحت قيادة المجاهد المرحوم عمار بعزيز في المنطقة الثالثة. كما عملت بنشاط مع قيادات في جيش التحرير، منهم عزوز حمروش وعبد القادر بوشريط، اللذان كانا مسؤولين عن الصحة بالمنطقتين الأولى والثانية، تحت قيادة المجاهد الطبيب المرحوم لمين خان من 1956 إلى 1958، والدكتور المرحوم محمد تومي بين 1958 و1962 على التوالي.