استثمارات للشباب تعيد للطبيعة ألوانها
زراعة الورود في الجزائر... نهضة اقتصادية وثقافية متجددة
- 172
كمال لحياني
تشهد الجزائر في الآونة الأخيرة، نهضة ملحوظة في قطاع زراعة وإنتاج الورود، إذ استقطبت هذه الشعبة اهتماما متزايدا من المستثمرين الشباب، الذين وجدوا فيها فرصة اقتصادية واعدة. ويعود هذا الاهتمام إلى ارتفاع الطلب على الورود من المؤسسات الرسمية التي باتت تدمج المساحات الخضراء في مشاريعها السكنية والمرافق العمومية، إلى جانب انتشار ثقافة تزيين الحدائق المنزلية بمختلف أنواع الورود، وتقديمها في المناسبات والأعياد.
يُجمع المتتبعون للقطاع الزراعي على أن الجزائر كانت في سبعينيات القرن الماضي، تحتل مكانة متقدمة بين منتجي ومصدري الورود في القارة الإفريقية، بل كانت تتربع على عرش هذا المجال. غير أن هذه المكانة تراجعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، حتى أصبحت عاجزة عن تحقيق اكتفائها الذاتي من هذه المادة الحيوية التي تدخل في صناعات متعددة، بما فيها العطور، والزيوت الأساسية. ويأتي هذا التراجع في وقت يشهد الطلب العالمي على الورود، ارتفاعا ملحوظا، إذ بلغ ملياري وردة سنويا، مع إبرام نحو خمسين ألف صفقة يوميا، في الولايات المتحدة واليابان وحدهما.
مزرعة الأشقاء في بوفاريك.. تجربة رائدة
في منطقة بوفاريك بولاية البليدة جنوب العاصمة الجزائرية، أطلق الشقيقان عبد الحق وفريد لطرش، مشروعا زراعيا لإنتاج الورود؛ حيث تنتج مزرعتهما عشرات الأنواع بمختلف الألوان والأصناف.
يروي فريد أنه كان يدير محلا صغيرا لتزيين سيارات الأفراح وبيع الأطقم الوردية الخاصة بالمناسبات، حيث لاحظ ارتفاع الطلب على هذه المادة، خاصة في فصل الصيف؛ ما دفعه للتفكير في مشروع استثماري مربح، يوظف فيه خبرته في التعامل مع الورود، وتقليمها. ويضيف أنه يوزع كميات معتبرة من الورد على مختلف المحلات في العاصمة بفضل جودتها العالية، خاصة بعد إدخال تقنيات عصرية في الإنتاج.
وتستقبل المزرعة العديد من العائلات، خاصة في عطلة نهاية الأسبوع، حيث تغري المارين عبر الطريق السريع الرابط بين العاصمة والبليدة، تلك اللوحة الطبيعية متنوعة الألوان، فيتوقفون لالتقاط الصور داخل المزرعة، أو لشراء الورود لإعادة غرسها في حدائق منازلهم، أو إهدائها للأصدقاء والمرضى.
ويؤكد عبد الحق أنهم يسعون دائماً لاستقطاب أكبر عدد من العائلات لترسيخ ثقافة الورود، فيسمحون لهم بالتنزه، والتقاط الصور، مع تقديم ورود مجانية لبعض الزوار، وهو ما أسهم في نجاح تجارتهم. ويشير إلى أن سعر شتلات الورود يتراوح بين 1000 و2000 دينار، حسب الحجم، واللون والشكل.
معارض الورود... ملتقى المنتجين والعشاق
في ساحة التوت بقلب ولاية البليدة، يلتقي منتجو الورود والنباتات الزهرية في معرض كبير يقام سنويا، يعرضون فيه أجود وأشهر الورود التي تأسر الزائرين بألوانها وأشكالها المتنوعة.
ولا يختلف اثنان في أن مدينة البليدة كانت تُعرف بمدينة الورود؛ نظراً للعدد الكبير من الحدائق التي كانت تنتشر بها، والثقافة الراسخة لدى سكانها منذ زمن الاستعمار، في تزيين شرفات المنازل بالنباتات الزهرية.
وفي هذا المعرض يجد عشاق الجمال باختلاف أذواقهم، ضالتهم؛ يقول مراد سالي رئيس جمعية أصدقاء البيئة لولاية البليدة، لـ"المساء”: إن القائمين على المعرض يهدفون إلى إحياء تقليد عريق كان حيا لدى أهل المنطقة على مدى قرون، وإلى تغليب ثقافة الورد والذوق الإنساني الراقي، فضلاً عن فتح المجال أمام التجار والمستثمرين للترويج، والتعريف بمختلف الورود والنباتات”.
وفي قلب العاصمة الجزائرية لا يمكن الزوارَ من داخل الوطن وخارجه، القيام بجولة سياحية دون المرور على ساحة البريد المركزي، حيث تُعرض أنواع نادرة من الورود؛ في مشهد جميل يكسر رتابة الإسمنت الطاغي على وسط المدينة.
وتتراصُّ في الساحة مزهريات كثيرة تحمل أنواعاً متعددة من الأزهار والورود والشجيرات، جلبها أصحابها من هواة الطبيعة وأصحاب المشاتل، من الولايات المجاورة.
محل عمي علي بوعكاز الأقدم في بيع الورود في الساحة، وذلك منذ عام 1955. ولايزال المحل متمسكا برونقه؛ حيث باقات رائعة تخطف الأنظار، فيضطر المارة لشرائها كذكرى، أو لتقديمها كعربون محبة.
الورود... رهان اقتصادي مستقبلي
قال علي زموش الأمين العام للمجمع الجزائري للهندسة الريفية في تصريح إعلامي، إن الإقبال الكبير للجزائريين على الورود أصبح محل اهتمام الجهات الرسمية، حيث تم وضع برنامج لإعادة بعث شعبة إنتاج الورود على مستوى المؤسسات الحكومية المتخصصة في المساحات الخضراء. وسيقوم المجمع بغرس 200 نبتة وردية خلال الثلاثي القادم، مع وضع برنامج تكويني للإطارات والمهندسين التابعين له في هذا المجال، بالتنسيق مع الجامعات الجزائرية والمعاهد الوطنية.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي عبد المالك سراي، أن الوقت حان لوضع استراتيجية وطنية للنهوض بهذا القطاع، وإعادة بعثه؛ نظرا لأهميته الاقتصادية والاجتماعية. ويؤكد أن كل الوثائق والأبحاث تشير إلى أن منطقة المنيعة وحدها، قادرة على منافسة دولة كينيا في إنتاج الورود، حيث كانت تُلقب قديما بحديقة العالم. كما إن الاستثمار في القطاع بالتنسيق مع الجامعات وباستعمال تقنيات حديثة، من شأنه خلق صناعة طبيعية وبيولوجية، وهو التوجه الرئيسي لمختلف دول العالم.
ثقافة الورود... من المناسباتية إلى اليومية
يؤكد الدكتور عبد النور تادبيرت المختص في علم الاجتماع، أن ثقافة الورود لم تعد مناسباتية كما كانت في السابق، بعد أن كانت تقتصر على زيارة المريض أو المناسبات الرسمية، بل أصبحت اليوم، ثقافة عائلية، خاصة مع التغير السكني الذي عرفته الجزائر. فقد توجهت النساء إلى تزيين الشرفات والمداخل الخاصة بالمنازل، وإنشاء حدائق منزلية مع ارتفاع مستوى المعيشة، والمستوى التعليمي للجزائريين.
ويشير المتحدث إلى أن سكان بعض الولايات لديهم شغف كبير بإعادة بعث الميزة الخاصة التي امتازت بها مناطقهم، على غرار ولاية البليدة، وهو ما جعلهم يقبلون على إحياء زراعة الورود من جديد، وتنظيم معارض للتعريف بها.
نحو استعادة المكانة الضائعة
وهكذا يبدو أن زراعة الورود في الجزائر تعيش مرحلة جديدة من النهوض، تجمع بين البعد الاقتصادي والثقافي والاجتماعي. فمن جهة، تمثل هذه الشعبة فرصة استثمارية واعدة للشباب، وتساهم في تنويع الاقتصاد الوطني. ومن جهة أخرى، تعيد إحياء تراث ثقافي عريق، ارتبط بمدن جزائرية عريقة كالبليدة، ليبقى الرهان الأكبر هو تحويل هذا الاهتمام المتجدد إلى استراتيجية وطنية شاملة، تستعيد بها الجزائر مكانتها التاريخية في عالم الورود.