عندما غيّر اجتماع سريّ في حوشٍ صغير خارطة العالم

"سيجاس مسلمون" بتيبازة.. من هنا تحررت فرنسا من النازية

"سيجاس مسلمون" بتيبازة.. من هنا تحررت فرنسا من النازية
  • 305
روبورتاج: كمال.لحياني  روبورتاج: كمال.لحياني 

على بعد مئة كيلومتر غرب ولاية تيبازة، حيث تلتقي جبال الجهة الغربية لولاية تيبازة بالمياه الزرقاء للبحر الأبيض المتوسط،، يقع موقع لا يبدو للوهلة الأولى إلا مجرد بناءٍ عتيقٍ مهمل. لكن جدرانه الحجرية، المطلة على الطريق الوطني الساحلي رقم (11)، تخفي بين طياتها سرا غيّر مجرى التاريخ، وجعل من هذه البقعة الهادئة، مسرحا لأحد أهم الأحداث العسكرية في القرن العشرين. إنه موقع “سيجاس”، الواقع في المخرج الغربي لبلدية مسلمون، المكان الذي كان إيذانا بسقوط النازية وانطلاق حرية أوروبا.

“سي جيمس”.. قصة اختيار الموقع

عندما حمي وطيس الحرب العالمية الثانية في أوروبا، وجد قادة الحلفاء أنفسهم بحاجة ماسة إلى موقعٍ آمن وسري، لرسم خططهم المقبلة، ووقع الاختيار على “حوش” (مزرعة) صغيرٍ، يقطنه معمر إسباني يدعى “جيمس”، وزوجته البريطانية. لم يكن هذا الاختيار عشوائيا، بل جاء بناء على اقتراح من ضباط بريطانيين ومقاومين فرنسيين، خاصة وأن ابن صاحب المكان كان ضابطا في الجيش البريطاني. وقد أعجب أحد الضباط البريطانيين بالمكان، أثناء زيارته لعائلته، فقام باقتراحه على قادة الجيش.

تميز الموقع، بعدة عوامل، جعلته مثاليا للاجتماع السري، كالمداخل المتعددة التي تتيح الهروب بسهولة عند الضرورة، إضافة إلى المياه العميقة التي تسمح للغواصات بالرسو، دون إثارة انتباه السكان المحليين، وموقعه البعيد نسبيا عن الأنظار على التلة المطلة على البحر.

هكذا، أُطلق على المكان اسم “سي جيمس”، نسبة لصاحبه، ليتحول لاحقا إلى اسم “سيجاس” المختصر الذي عُرف به تاريخيا.

ليلة 22 أكتوبر 1942.. تغيير الخريطة

في ليلة 22 أكتوبر من عام 1942، كان الموقع، على موعد مع لحظة فارقة في تاريخ البشرية. وصل الجنرال الأمريكي “مارك واين كلارك” على متن غواصة خاصة، عند الساعة الواحدة والنصف ليلا، في سرية تامة لم يشعر بها سوى قلة من المقاومين، الذين كلفوا بحراسته، وبعد مداولات استمرت 48 ساعة، غادر المكان عند الخامسة والنصف من صباح 22 أكتوبر، حاملاً معه خطةً عسكريةً من شأنها تغيير مجرى الحرب.

يروي إلياس عزيبي، عضو الجمعية الثقافية “بوهلال”، والمهتم بتاريخ المنطقة، في سرده للقصة، كيف كان التمويه محكماً، لدرجة أن السكان المحليين شكوا في الحركة غير العادية في تلك الليلة، لكن صاحب المكان “جيمس”، كان يدعي إقامة حفلة عيد ميلاد، ويضطر لإخفاء القادة في “الخازن” (المخزن) في كل مرة يقترب أحدهم، لضمان نجاح الاجتماع.

“طورش”.. الإنزال الذي حرر المغرب العربي

كان ثمرة هذا اللقاء التاريخي، وضع الخطة النهائية لعملية “طورش” (المصباح)، وهو الإنزال الأمريكي الشهير على سواحل المغرب العربي (الجزائر والمغرب) في نوفمبر 1942. تزامنت هذه العملية، مع انتصارات بريطانية وسوفياتية على قوات الألمان، وهدفت إلى فتح جبهة قتال جديدة في شمال إفريقيا، لتشتيت قوات هتلر وإضعافها. وقد نجح الحلفاء في تحقيق أهدافهم بعد قتال عنيف، ليتم تحرير الجزائر والمغرب من النازيين، وكانت البداية الفعلية، لتحرير فرنسا وأوروبا من براثن النازية.

وبهذا الاجتماع، تغيرت خارطة الحرب العالمية الثانية، وبات موقع “سيجاس”، شاهداً على بداية العد التنازلي لأكبر حرب شهدها العالم في القرن العشرين.

من نصب تذكاري إلى إهمال غير مبرر

رغم الأهمية التاريخية الكبيرة التي يحتلها الموقع، إلا أن مصيره كان متقلبا عبر العقود. ففي سنة 1952، قامت السلطات الفرنسية، بتشييد معلم تذكاري في الموقع، يتكون من ثلاثة أبواب كبيرة، إشارةً منها إلى مشاركة ثلاث دول عظمى (أمريكا، بريطانيا وفرنسا الحرة) في هذا اللقاء التاريخي.

لكن مع اندلاع الثورة التحريرية المجيدة، قام مجاهدو كتيبة الحمدانية للولاية الرابعة التاريخية، في سنة 1956، بتدمير جزء من هذا المعلم، في بادرةٍ تهدف إلى إيصال صوت الثورة للعالم، وطمس آثار الاستعمار.

وبعد الاستقلال، استقرت عائلات من المنطقة في الموقع لسنوات طويلة، إلى أن تم إخلاؤهم سنة 2004، مع وعدٍ بتهيئته وتحويله إلى معلمٍ تاريخي. لكن هذا الوعد لم يتحقق بالشكل المطلوب، فالموقع لايزال يعاني من الإهمال، على الرغم من الزيارات المتكررة للوفود الأجنبية والباحثين، الذين يأتون للاطلاع على مكانته التاريخية.

نداء للحفاظ على الذاكرة

يعبر محمد بوقشور، أستاذ التاريخ بجامعة الشلف، عن أسفه الشديد، للوضع الذي آل إليه الموقع، مؤكدا في حديثه لـ"المساء”، أن الموقع، كان بإمكانه أن يكون قبلةً للسياحة العلمية والتاريخية، لكن في غياب ثقافة تثمين المواقع التاريخية، ظلت هذه المعالم مهملة وغير مستغلة، مضيفا، أن وضع تماثيل وصور للقادة الذين حضروا الاجتماع، سيساعد الطلبة والباحثين على تخيل الحدث وعيشه بشكل افتراضي.

ومن جانبه، أكد السفير الأمريكي السابق في الجزائر، ديفيد هيون، أن بلاده ستجعل من موقع “سيجاس”، قبلةً للسياح الأمريكيين، مستقبلاً، في حال توفر شروط التنقل والتهيئة الشاملة للموقع، والتي تشمل بناء نصب تذكاري، يخلد لبداية عجلة الحرية.

ويقف موقع “سيجاس” اليوم، شاهداً صامتاً على أعظم أسرار الحرب العالمية الثانية، يحرسه البحر وتذكره الرياح بليلةٍ غيرت العالم. وبين وعد التهيئة وإرث الإهمال، يبقى هذا الموقع التاريخي، نداءً حياً للحفاظ على الذاكرة، وتثمين معالمنا التاريخية، ليحكي للأجيال القادمة، قصة حوشٍ صغير على تلة في تيبازة، كان مفتاحاً لتحرير قارة بأكملها من ظلام النازية.