الحمّامات المعدنية في الجزائر
مركّبات سياحة وعلاجية.. ومقصد الباحثين عن "البركة"
- 146
كمال لحياني
لاتزال الحمّامات المعدنية في الجزائر تشكل وجهة رئيسية للسياح من كل الفئات والأعمار، سواء بقصد الاستجمام والهروب من ضغوط الحياة خلال عطل نهاية الأسبوع، أو طلباً للشفاء من أمراض مزمنة كـ "الروماتيزم" والأمراض الجلدية. كما يجد فيها كبار السن خاصةً، ضالتهم في نيل "البركة".
من "حمام ملوان" و"حمام ريغة" إلى المسخوطين والشيغر مرورا ببوحنيفية وبوغرارة والسخنة وقرقور والصالحين وزلفانة... هي أسماء تعلق بها الجزائريون منذ أجيال، فتحولت هذه الأماكن إلى تراث مادي يزين المدن التي تحتضنها، وجزء مقدس من الذاكرة الحية للبلاد. يحمل كل مركب حموي قصة وتاريخا فريدين، فالبعض لاتزال جدرانه شاهدة على العصر الروماني. وأنظمة تصريف مياهه تعمل بالطرق القديمة، ما يؤكد عمق هذه المناطق في التاريخ. وتزخر الجزائر اليوم بنحو 200 ينبوع معدني، بعضها تحول إلى مركبات وفنادق عصرية، استثمرت فيها الدولة لإنعاش السياحة الداخلية، بينما بقي البعض الآخر على حالته التقليدية، غير مستغلّ بالشكل الكافي.
العلاج بالماء... بين الخرافة والحقيقة
يتجه كثير من الجزائريين خصوصا كبار السن، إلى الحمامات كملاذ أخير بعد أن يفقد الأطباء الأمل في علاج بعض الأمراض كـ "الروماتيزم" والأمراض الجلدية، وأحيانا الأمراض النفسية التي تتطلب العزلة والراحة، فيختلط هنا الحديث بين الخرافة والحقيقة العلمية؛ فالحمامات المعدنية التي تنتشر غالبيتها في الولايات الداخلية، كانت الوجهة السياحية الأولى للجزائريين خلال السبعينيات والثمانينيات، لكن الأزمة الأمنية في التسعينيات حرمتهم من الوصول إليها بعد أن تعرض بعض هذه المركبات لهجمات إرهابية. ويُعد "حمام ملوان" من أشهر الحمامات في منطقة الوسط والمدية، حيث يقع على بعد 50 كيلومترا من العاصمة، ببلدية بوقرة شرق ولاية البليدة في منطقة شبه جبلية، تحيط بها الغابات والمشاهد الخلابة.
ويروي مراد سالي، رئيس جمعية أصدقاء البيئة والسياحة الجبلية لمنطقة "مقطع الأزرق"، أن المنطقة كانت محرمة على الجزائريين خلال العشرية السوداء، إذ اتخذتها الجماعات الإرهابية مركزا لها. لكن الحمّام ووديانه الساخنة ظلت مقصدا رئيسيا للمواطنين. ويضيف سالي: "هناك قصة متداولة بين سكان المنطقة، هي أن ابنة آخر دايات الجزائر، الداي حسين، أصابها طفح جلدي ألزمها الفراش، وعجز الأطباء عن علاجها، فنصحه أحد المقربين بالتوجه إلى مكان في سفوح جبال الأطلس البليدي يقصده الناس للتبرّك والتداوي. وبالفعل توجه الداي حسين كحل أخير الى عين المكان، فشُفيت ابنته، ما زاد من قيمة المكان، وأصبح يُعرف بـ "عوينة البركة" (منبع البركة)، حيث تخرج منه المياه الساخنة قبل أن تجري عبر الوادي الذي ظل مقصداً لآلاف العائلات".
وبدورها، اشتهرت حمامات أخرى بعلاج أمراض معيّنة، مثل حمّام "الشيغر" بولاية تلمسان بأقصى الغرب الجزائري. هذا الحمّام تحوّل إلى وصفة رئيسية لدى بعض أطباء الطب الداخلي والكلى الذين يوجهون مرضاهم لشرب مياهه، لتفتيت الحصى والترسبات الكلوية. وهذا ما يؤكده الدكتور محمد كركوري صاحب عيادة متخصصة في أمراض الكلى بولاية البليدة.
حمّام "ريغة".. المكان الذي أحبته والدة الرئيس بوتفليقة
في أعالي منطقة بومدفع بولاية عين الدفلى على بعد 90 كيلومتراً من العاصمة، يقع حمام "ريغة" الذي يُعد قطبا سياحيا ممتازا. وهو مصنف كمنطقة حموية من الطراز الأول. فلايزال هذا الحمام يستقطب هواة السياحة البيئية والثقافية بفضل موقعه المرتفع (600 متر) عن سطح البحر، في منطقة جبلية محاطة بالغابات التي تحميه من الرياح والطقس البارد، حيث يعود اكتشاف أحواضه المعدنية إلى عام 44 قبل الميلاد، إذ تتميز مياهه بالملوحة، الى جانب غناها بكبريتات الكالسيوم، إضافة إلى ينبوع "القارصة" ذي المياه الباردة والغازية والغنية بالحديد. وتشمل فوائده العلاجية "الروماتيزم"، وآثار الرضوض، وفقر الدم، والعجز الكلوي، واليرقان، واضطرابات الجهاز الهضمي.
وقد قامت وزارة السياحة بتخصيص أموال طائلة لعصرنة هذا المركب، الذي يضم فندقا بـ 3 نجوم، وشققا فاخرة. ويُعد هذا المركّب مقصدا للعديد من الشخصيات والمسؤولين. وكانت والدة الرئيس الأسبق الراحل عبد العزيز بوتفليقة، تعشقه، وتقضي فيه أياما عديدة، مفضلة إياه على مركز العلاج بمياه البحر في سيدي فرج. وكان ابنها يزورها هناك للاطمئنان عليها، حسب ما أكد عمال المركب لـ "المساء".
رئيس الفدرالية الجزائرية للسياحة عيسى دردوري:
الينابيع المائية ثروة حموية غير مستغَلة
أكد رئيس الفدرالية الجزائرية للسياحة، عيسى دردوري، أن الحمامات تمثل ثروة طبيعية يمكن أن تصبح مصدراً رئيسيا للتنمية المحلية، من خلال استحداث فرص العمل، وتنشيط السياحة الداخلية، لكنها تبقى غير مستغلة.
وأشار السيد دردوري إلى دراسة أجرتها مصالحه على الثروة الحموية في الجزائر، كشفت عن وجود 282 مصدر حموي مدروس جيولوجيا وهيدروليكيا. كما مكّنت الدراسة من تقييم الإمكانيات الحالية من خلال المرافق المتوفرة. وقدمت توصيات للنهوض بهذا القطاع الاقتصادي الهام، من خلال تشجيع الاستثمار الخاص، وتطوير المرافق العمومية لتوفير فضاءات أفضل للسياحة العائلية الجزائرية.