البسكريون في مواجهة حرارة الصيف

يوميات بإيقاع قساوة المناخ الصحراوي

يوميات بإيقاع قساوة المناخ الصحراوي
  • 134
 نور الدين العابد نور الدين العابد

مع بزوغ أول خيط من الفجر تستيقظ مدينة بسكرة (عروس الزيبان)، قبل أن تستيقظ الشمس بكامل قوّتها. ففي هذه الولاية الواقعة على بوابة الصحراء، يعرف السكان أن ساعات الصباح الأولى هي الأغلى؛ لأنها تمنحهم فرصة إنجاز أعمالهم قبل أن تفرض درجات الحرارة المرتفعة، إيقاعها على تفاصيل الحياة اليومية.

ففي فصل الصيف تتحول بسكرة إلى مدينة تعيش على توقيت خاص، حيث يتأقلم الجميع مع حرارة قد تتجاوز في بعض الأيام 50 درجة مئوية. ورغم قساوة المناخ يواصل السكان حياتهم بروح من الصبر والعزيمة، مستفيدين من خبرة طويلة في التعايش مع الطبيعة الصحراوية.

المدينة تستيقظ مع الفجر

عند الخامسة صباحًا تبدأ الحركة تدب في الأسواق الشعبية ببسكرة، فتفرغ شاحنات الخضر والفواكه حمولتها. ويرفع أصحاب المحلات أبوابهم الحديدية، بينما يتوافد المواطنون لاقتناء حاجياتهم قبل أن تصبح الشوارع أشبه بفرن مفتوح. وفي سوق الخضر المنجز حديثا الواقع بجنوب عاصمة الولاية، يقول أحد التجار: "نعمل منذ الرابعة صباحًا؛ لأن الزبائن يفضلون التسوق مبكرًا. وبعد العاشرة تقل الحركة كثيرًا بسبب الحرارة". وتسارع ربات البيوت إلى اقتناء مستلزمات اليوم، بينما يتوجه الموظفون إلى مقرات عملهم، في وقت لاتزال شبه نسمات صباحية تخفف من وطأة القيظ.

عمال تحت الشمس.. معركة يومية

إذا كان معظم السكان يستطيعون الاحتماء داخل المنازل أو المكاتب المكيّفة، فإن فئة واسعة من العمال لا تملك هذا الخيار، حيث يقضي عمال البناء، والنظافة، وأعوان البلديات، والفلاحون، وسائقو الشاحنات، ساعات طويلة تحت أشعة الشمس. ويقول عامل في ورشة بناء: "نتوقف قليلًا عند الظهيرة، لكن العمل لا ينتظر. ونحاول الإكثار من شرب الماء، وارتداء القبعات، إلا أن الحرارة تكون مرهقة جدًا". أما عمال النظافة فيبدؤون مهامهم منذ الساعات الأولى للصباح؛ حتى يتمكنوا من إنهاء الجزء الأكبر من العمل قبل اشتداد الحر.

الفلاّح.. صديق الشمس رغم أنفه

وفي واحات الزيبان يبدأ الفلاحون يومهم قبل شروق الشمس، وسط بساتين النخيل، حيث تنطلق عمليات السقي، والعناية بالأشجار، وجني بعض المنتوجات الصيفية. ويؤكد أحد فلاحي بلدية طولقة أن العمل في الصيف يتطلب تنظيمًا دقيقًا؛ قال: "نبدأ قبل الخامسة صباحًا. وعندما ترتفع الحرارة نؤجل بقية الأشغال إلى المساء. لكن تذبذب تيار الكهرباء هذه الصائفة جعل من البستان ورطوبته أفضل مكان ". ورغم المشقة يواصل الفلاحون عملهم؛ لأن الموسم الفلاحي لا ينتظر اعتدال الطقس، يؤكد أحد المزارعين.

الأسواق تتنفس صباحًا

تعرف الأسواق التجارية ببسكرة نشاطًا مكثفًا خلال الفترة الصباحية، بينما تقل الحركة تدريجيًا بعد منتصف النهار، فيما تعرف محلات بيع المكيفات الهوائية والمراوح، إقبالًا متزايدًا. كما ترتفع مبيعات المياه المعدنية والعصائر والمثلجات. ويؤكد صاحب محل لبيع الأجهزة الكهرومنزلية أن الطلب على أجهزة التبريد يرتفع بشكل كبير كل صيف، خاصة مع تسجيل موجات حر متتالية.

الظهيرة.. مدن تبحث عن الظل

في منتصف النهار، تبدو شوارع عاصمة الولاية بسكرة ودوائرها، أقل ازدحامًا، فتكاد تخلو الأرصفة من المارة، بينما تتحول الأشجار القليلة إلى أماكن يلجأ إليها العابرون. أما أصحاب المقاهي فيستقبلون الزبائن الباحثين عن مكان بارد لقضاء بعض الوقت. وفي الأحياء السكنية يفضل أغلب السكان البقاء داخل المنازل، مع تشغيل أجهزة التكييف أو المراوح، في انتظار انخفاض درجات الحرارة.

الأطفال.. عطلة بطعم الحرارة

العطلة الصيفية بالنسبة للأطفال تعني اللعب، والمرح، لكنها في بسكرة ترتبط أيضًا، بضرورة تجنب الخروج في ساعات الذروة. ولهذا تتجه العديد من العائلات نحو المسابح، أو تؤجل خروج أطفالها إلى الفترة المسائية. كما تنظم بعض الجمعيات والنوادي أنشطة داخل القاعات المغطاة؛ لتوفير فضاءات آمنة بعيدًا عن حرارة الشمس.

المستشفيات تدعو إلى الوقاية

خلال موجات الحر يوصي الأطباء بتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس، خاصة بالنسبة للأطفال، وكبار السن، وأصحاب الأمراض المزمنة. كما ينصحون بالإكثار من شرب الماء، وارتداء الملابس القطنية الفاتحة، وعدم ممارسة الأنشطة البدنية خلال ساعات الذروة. وتسجل مصالح الاستعجالات في بعض الفترات، حالات مرتبطة بالإجهاد الحراري أو الجفاف، "وهو ما يجعل الوقاية الوسيلة الأفضل لتجنب المضاعفات الصحية"، تقول طالبة الطب "إيناس.ع"، التي شددت على ضرورة تجنب أشعة الشمس من الساعة العاشرة صباحا إلى غاية السادسة مساء، مؤكدة أن الكثير من المرضى الذين يتم إجلاؤهم الى المستشفيات، تعرضوا للفحات الشمس في أوقات لا ينبغي أن يكونوا  فيها خارج المنازل أو مقرات العمل.

الكهرباء.. اختبار صيفي

ارتفاع درجات الحرارة يعني ارتفاع استهلاك الكهرباء، فمعظم المنازل تعتمد على أجهزة التكييف لساعات طويلة، وهو ما يزيد الضغط على شبكة التوزيع، خصوصًا خلال فترة المساء. ورغم الجهود المبذولة لضمان استمرارية الخدمة إلا أن ترشيد الاستهلاك يبقى ضروريا، خاصة في أوقات الذروة.

الحياة تبدأ بعد الغروب

مع أذان المغرب تبدأ بسكرة في استعادة حركتها الطبيعية، فتخرج العائلات إلى الحدائق والساحات العمومية. وتعج المقاهي بالزبائن، بينما يقصد الشباب ملاعب جوارية لممارسة الرياضة، حيث تنظم مقابلات في كرة القدم. أما محلات المثلجات والعصائر فتشهد ذروة نشاطها خلال الساعات الليلية، حيث تتحول إلى وجهة مفضلة للعائلات. وفي العديد من الأحياء يجلس السكان أمام منازلهم لتبادل الأحاديث في أجواء أقل حرارة؛ في مشهد يعكس روح التضامن الاجتماعي التي تتميز بها المنطقة.

العمارة الصحراوية.. حكمة الأجداد

لايزال كثير من سكان القصور والواحات القديمة ببسكرة يستفيدون من أساليب البناء التقليدية، فالجدران السميكة، والأسقف المرتفعة، والأزقة الضيقة، كلها عناصر ساهمت عبر عقود، في توفير قدر من البرودة داخل المنازل. ويرى مختصون في الهندسة المعمارية بالمنطقة، أن العودة إلى بعض هذه الحلول مع توظيف التقنيات الحديثة، قد تساهم في تحسين الراحة الحرارية، وتقليل استهلاك الطاقة.

حرارة تصنع شخصية المكان

قد يرى الزائر حرارة بسكرة تحديًا صعبًا. لكن أبناء المنطقة يرونها جزءًا من هويتهم؛ إذ تعلَّموا كيف ينظمون أوقاتهم، وكيف يتعاملون مع الطبيعة دون صدام معها؛ فالمدن لا تتوقف عن العمل، والأسواق لا تغلق أبوابها، والفلاح لا يهجر أرضه، والعائلات لا تتخلى عن عاداتها، بل تغير فقط توقيت نشاطها. ورغم أن الصيف ببسكرة يحمل معه درجات حرارة مرتفعة، إلا أنه يكشف أيضًا، عن قدرة الإنسان على التأقلم والإبداع في مواجهة الظروف الطبيعية القاسية؛ فهنا لا تُقاس الحياة بدرجات الحرارة، بل بقدرة الناس على تحويل التحديات إلى أسلوب عيش متوازن. وبين شمس النهار وتراجع الحرارة خلال الفترة الليلية تواصل "عاصمة الزيبان" كتابة يومياتها، محافظة على نبضها الاقتصادي والاجتماعي، ومثبتة أن الإرادة أقوى من قيظ الصيف، وأن الإنسان البسكري ظل عبر الأجيال قادرًا على مصادقة الشمس دون أن ينحني لها.