الكاتب إبراهيم قاري لـ«المساء":
الحقيقة أوسع من شهادة واحدة، والذاكرة الجماعية ليست سجلا ثابتا
- 370
لطيفة داريب
قال الكاتب إبراهيم قاري، في حديثه لـ«المساء"، إنه كتب في مجموعته القصصية "لوم اللائمين"، التي صدرت حديثا عن دار "أندلسيات للنشر والتوزيع"، عن أثر الرواية في أصحابها، مشيرا إلى أن القارئ في هذا العمل، أمام ثلاث حكايات، تتقاطع فيها المصادفة مع الذاكرة، واليومي مع الغريب، والكلمة مع أثرها، وهي حكايات تبدأ من تفاصيل صغيرة، ثم تترك وراءها سؤالا أكبر "من يملك حق رواية ما حدث؟".
يأتي اللوم في الحكايات بوصفه فعلا يكشف صاحبه بقدر ما يكشف الشخص الواقع عليه
❊ هل يمثل اللوم في مجموعتك محاولة لفهم الحقيقة، أم وسيلة للهروب من مواجهة الذات وتحمل المسؤولية؟
❊ يبدأ اللوم غالبا، من رغبة في فهم ما جرى. يبحث الإنسان عن سبب، ويربط بين الوقائع، ويفتش عن النقطة التي انطلق منها الخلل. هذه الرغبة تمنح العالم ترتيبا قابلا للفهم، وتساعد على التعامل مع الحادثة، بدل تركها معلقة في الفراغ.
غير أن اللوم يتغير حين ينتقل من سؤال: كيف حدث الأمر؟ إلى سؤال: من نضع عليه الأمر؟ عند هذه النقطة تتراجع الحادثة بتفاصيلها، ويتقدم الإسم. يصبح العثور على شخص يحمل العبء أكثر إغراء من متابعة شبكة الأسباب التي صنعت الواقعة. وقد يكتسب هذا الشخص صفته من قربه من الحدث، أو من حضوره في المكان المناسب، أو من امتلاكه معلومة، أو من عجزه عن تقديم رواية مقنعة في اللحظة المطلوبة.
في قصص المجموعة، يتحرك اللوم بين الفهم والهروب. يحمل رغبة صادقة في الوصول إلى الحقيقة، ثم يكتسب أحيانا وظيفة أخرى: تخفيف القلق، اختصار الطريق وحماية صورة الجماعة عن نفسها. حين تستقر التهمة على شخص محدد، يشعر الآخرون بأن الحادثة خرجت من نطاق مسؤوليتهم. يصبح الأمر متعلقا بفلان، وتنفتح أمام الجميع فرصة العودة إلى حياتهم اليومية.
أهتم بهذه المنطقة التي تتداخل فيها المسؤولية الفردية مع مسؤولية الآخرين، وتتقاطع فيها النية مع النتيجة. الشخص قد يرتكب خطأً حقيقيًا، غير أن الخطأ يظل جزءًا من سياق أوسع: قرار سابق، أو معلومة ناقصة، أو عادة متكررة، أو صمت مر أمام الجميع. لذلك يأتي اللوم في الحكايات بوصفه فعلًا، يكشف صاحبه بقدر ما يكشف الشخص الواقع عليه. فطريقة اتهام الآخرين تكشف مقدار ما يرغب المرء في معرفته، ومقدار ما يرغب في حماية نفسه من المعرفة.
الحقيقة تقترب حين تتجاور الأصوات، وحين يصغي كل طرف إلى الجزء الذي حمله الآخر.
❊ في قصصك، تتحول الحوادث الصغيرة إلى وقائع كبرى، بفعل تداولها وتأويلها. هل تصنع الحكاية الحدث، أم أن الحدث لا يكتمل إلا حين يُروى؟
❊ الحدث يقع في لحظته، ثم تبدأ حياته الأخرى حين يدخل في الرواية. الواقعة تمنح الحكاية مادتها الأولى، والحكاية تمنح الواقعة مجال انتشارها وتأثيرها. وبين الأمرين، تتشكل طبقات جديدة من المعنى.
الحمامة النافقة، مثلًا، تظل واقعة محدودة ما دامت على الرصيف. وحين تُلتقط صورتها وتُرفق بعبارة وتنتقل بين الناس، تكتسب حضورا مختلفا. يصبح لكل متلق موقع منها: شخص يراها صورة عابرة، وآخر يربطها بحدث سابق، وثالث يقرأ فيها علامة، ورابع يعيد صياغتها داخل رواية أكبر. الحادثة نفسها تظل ثابتة في أصلها، بينما يتبدل أثرها كلما انتقلت من يد إلى أخرى.
الحكاية تصنع الحدث من جهة، لأنها تحدد ما يستحق الانتباه، وتمنح التفاصيل ترتيبًا، وتضع بداية ووسطًا ونهاية في موضع قد يكون ممتلئًا بالمصادفات. وتكشف الحدث من جهة أخرى، لأن ما وقع يفرض على الرواية حدودا ووقائع تقاوم التعديل. وتنشأ العلاقة بينهما من التوتر: الحكاية تحتاج إلى الحدث، والحدث يحتاج إلى عين تراه وذاكرة تحتفظ به ولغة تمنحه قابلية التداول.
لهذا، تحتل العبارة مكانا مهما في المجموعة. جملة قصيرة قد تخرج من سياقها، فتدخل سياقا جديدا وتكتسب وزنا مختلفا. وكلمة قيلت على سبيل العادة، تصبح لاحقًا تفصيلًا يستند إليه الآخرون. ومن هنا يأتي سؤال الكتابة: متى يتوقف الإنسان عن نقل ما حدث، ويبدأ صناعة نسخة خاصة منه؟. أرى أن الحدث يكتمل في وعي الناس حين يُروى، غير أن اكتماله يحمل معه احتمال التحول. الرواية تمنحه حياة، وتمنحه كذلك قابلية لإعادة التشكيل. والقارئ يتعامل مع هذا التحول منذ اللحظة الأولى، ويتابع المسافة بين الواقعة الأصلية والصورة التي استقرت في الذاكرة.
الحدث يكتمل في وعي الناس حين يُروى، غير أن اكتماله يحمل معه احتمال التحول.
❊ إلى أي مدى يمكن للذاكرة الجماعية أن تتحول من وسيلة لحفظ الحقيقة، إلى أداة لتشويهها أو إعادة تشكيلها؟
❊ الذاكرة الجماعية تحفظ ما يهم الجماعة، وهذه الأهمية تمنحها قوة كبيرة في اختيار ما يبقى وما يتراجع. حين يتذكر الناس حادثة، يختارون تفاصيلها من بين تفاصيل كثيرة، ويربطونها بما سبقها وما لحقها، ثم يكررونها حتى تستقر في صورة قابلة للتداول. هذا التكرار، يمنح الواقعة حضورا، ويمنحها في الوقت نفسه شكلا جديدا. كل رواية تضيف نبرة، وكل راوٍ يحتفظ بجزء ويلقي بجزء آخر، وكل مرحلة تعيد ترتيب ما يناسب أسئلتها. وهكذا تتحول الذاكرة من سجل ثابت إلى كائن متحرك، يحمل آثار من عاشوا الحدث، وآثار من جاؤوا بعده، وآثار اللغة التي وُصف بها.
التشويه هنا قد يأتي من رغبة حسنة في حماية المعنى. فالجماعة تختار تفصيلًا، لأنه يفسر ما جرى، أو لأنه يمنح الحادثة نهاية واضحة، أو لأنه ينسجم مع الصورة التي تعرفها عن نفسها. وقد تأتي إعادة التشكيل من الرغبة في تنقية الماضي، أو توزيع المسؤولية بطريقة مريحة، أو تحويل شخص بعينه إلى عنوان للحادثة كلها. في "لوم اللائمين" تتجاور الذاكرة الشخصية والذاكرة العامة. الشخص يتذكر ما عاشه من الداخل، بينما تتذكر الجماعة ما وصلها عبر الكلام. وبين الذاكرتين، تظهر فجوات مهمة: تفصيل يعرفه فرد ويغيب عن الآخرين، أو واقعة حاضرة في الأخبار وغائبة عن أصحابها، أو اسم يظل مرتبطًا بحادثة حتى بعد تغير معناها.
تظل الذاكرة الجماعية ضرورية، لأنها تمنح المجتمع إحساسا بالاستمرار، وتحفظ أثر الأشخاص والأحداث. وترتبط قيمتها بقدرتها على مراجعة نفسها. فالذاكرة التي تستمع إلى الشهادات المختلفة، تقترب من الحقيقة، والذاكرة التي تكتفي بنسخة واحدة، تتحول إلى صورة مكتملة أكثر مما ينبغي. لذلك تأتي القصص محملة بأصوات متعددة، كي يظل الماضي مفتوحا على القراءة والفحص.
❊ تبدو شخصيات المجموعة عادية، لكنها تجد نفسها أمام أسئلة أخلاقية كبرى. هل تكشف اللحظات الاستثنائية حقيقة الإنسان، أم تصنع فيه إنسانا آخر؟
❊ الشخصية العادية تحمل عالما كاملا، قبل وصول اللحظة الاستثنائية. لها عاداتها ومخاوفها وطريقتها في ترتيب يومها وصورتها عن نفسها. وحين يأتي الحدث، يضغط على هذه العناصر دفعة واحدة، ويجبرها على اتخاذ موقف، يكشف ما كان مستقرا في داخلها.
اللحظة الاستثنائية تكشف الإنسان، لأنها تضعه أمام ما يعرفه وما يستطيع فعله. فموظف يكتشف فارقًا في حساب يواجه سؤالا مباشرا حول الطريقة التي سيتصرف بها. ومذيع يكتشف أن عبارة عابرة دخلت في مسار أكبر منه، فيعيد النظر في حدود كلماته. ورجل يعثر على مخطوطة في مكان مهمل، فيواجه علاقة معقدة بين القيمة والملكية والذاكرة. في الوقت نفسه، تصنع اللحظة إنسانا آخر، لأن الفعل يغير صاحبه. فالشخص الذي يراجع الرقم يخرج من التجربة بوعي مختلف عن عمله. والشخص الذي يكتشف أثر كلمته، يبدأ في الإصغاء إلى اللغة بطريقة جديدة. ومن يقترب من شيء قديم ومدفون، يرى نفسه أمام زمن لم يكن حاضرا فيه، ثم يكتشف أن الماضي يطال حاضره بطرق غير متوقعة.
أهتم بهذا التحول الهادئ، لأن الشخصيات لا تتلقى درسا أخلاقيا مكتملا، ولا تنتقل فجأة إلى صورة مثالية. تتقدم عبر التردد والصمت والتبرير والاختيار الجزئي. قد تفهم جانبا من الحقيقة وتغفل جانبا آخر. وقد تتصرف بشجاعة في موقف، ثم تحمي مصلحتها في موقف لاحق. الإنسان عندي يتكون من هذه التناقضات الصغيرة، ومن الطريقة التي يعيش بها نتائج قراراته.
لهذا تأتي الأسئلة الأخلاقية داخل الأفعال اليومية. فالسؤال لا يظهر في صيغة مجردة، وإنما في يد تتردد قبل توقيع، أو عين تعود إلى رقم، أو شخص يختار جملة بعينها، أو صمت يأتي في اللحظة التي يحتاج فيها الآخر إلى شهادة. اللحظة الكبيرة تكشف معدنًا سابقًا، ثم تضيف إلى الشخصية معرفة جديدة بنفسها.
الإنسان عندي يتكون من هذه التناقضات الصغيرة، ومن الطريقة التي يعيش بها نتائج قراراته.
❊ تطرح المجموعة سؤالا عن حق رواية ما حدث. لكن من يملك الحقيقة حين تتعدد الروايات، ويصبح كل طرف مقتنعا بصدق حكايته؟
❊ الحقيقة ملك الواقعة أولًا، ثم تصبح مسؤولية كل من يرويها. وامتلاك كل طرف لروايته لا يمنحه امتلاك الحقيقة كاملة، بل يمنحه جزءًا منها، وزاوية نظر إليها، وتأثرًا خاصًا بها. فالشخص الذي عاش الحادثة يملك حرارة التجربة، والشاهد يملك لحظة الرؤية، والناقل يملك أثر ما وصل إليه، والقارئ يملك القدرة على جمع هذه الأجزاء ومقارنتها.
تعدد الروايات يحمل خطر الالتباس، ويحمل في الوقت نفسه فرصة الاقتراب. فالرواية الواحدة تمنح يقينا سريعا، بينما تكشف الروايات المتعددة حدود كل شهادة. وحين نسمع الأصوات المختلفة، تظهر التفاصيل التي حُذفت، والافتراضات التي دخلت إلى الكلام، واللحظات التي تغير فيها المعنى أثناء انتقاله. في المجموعة، تأتي الحقيقة غالبا على هيئة أثر: رقم، أو صورة، أو ورقة، أو جملة، أو ذاكرة، أو تفصيل يرفض أن يختفي. وهذا الأثر يطالب بالانتباه، بدل أن يقدم الحقيقة جاهزة. يحتاج إلى قارئ يضعه بجوار بقية الآثار، ويرى ما يتفق وما يختلف، ويمنح الصمت وزنه كما يمنح الكلام وزنه.
اقتناع الشخص بصدق حكايته يستحق الفهم، لأن الإنسان يروي من داخل ذاكرته وموقعه ومصلحته وخوفه. وقد يكون صادقًا في إحساسه، بينما تحمل روايته نقصًا في الوقائع. وهنا يظهر الفرق بين صدق التجربة واكتمال الحقيقة. فكل شخص قد يروي ما رآه بصدق، ثم يكتشف أن ما رآه يمثل جزءًا من مشهد أكبر. حق رواية ما حدث يرتبط بالمسؤولية تجاه الغائبين، وتجاه من ستؤثر الحكاية في صورتهم وحياتهم. الرواية تمنح حضورا، وقد تفرض حكما، وقد تحفظ أثرا، وقد تحجب أثرا آخر. لذلك يحتاج الراوي إلى دقة توازي حاجته إلى التعبير، وإلى استعداد لمراجعة روايته كلما ظهرت معلومة جديدة.
في النهاية، أرى أن الحقيقة تقترب حين تتجاور الأصوات، وحين يصغي كل طرف إلى الجزء الذي حمله الآخر. يملك كل شخص حق الشهادة على ما عاش، بينما تظل الحقيقة أوسع من شهادة واحدة. ومهمة الكاتب أن يبني هذا التعدد داخل الحكاية، ومهمة القارئ أن يتابع خيوطه، ثم يقرر بنفسه أين يقف، وما الذي يظل مفتوحًا بعد انتهاء القراءة.
❊ حاورته: لطيفة داريب