قطع هلالية وأشكال نخيل تزين البيوت القسنطينية

النحاس يعود بقوة إلى صينية السهرة الرمضانية

النحاس يعود بقوة إلى صينية السهرة الرمضانية
  • 66
شبيلة. ح شبيلة. ح

عادت إلى واجهة البيوت القسنطينية، ومع حلول شهر رمضان المبارك، ملامح أصيلة من التراث العريق، في مشهد يعكس تعلق العائلات بجماليات الماضي وروح الأصالة. فبعد سنوات من هيمنة الأواني العصرية والمواد الصناعية، سجل النحاس القسنطيني هذا الموسم، عودة لافتة إلى صينية السهرة الرمضانية، حيث تتسابق النساء لتزيين موائدهن بأبهى الحلويات التقليدية، وسط بريق المعدن الأصفر، الذي طالما ارتبط بذاكرة المدينة وطقوسها الاجتماعية.

ففي قسنطينة، لا تكتمل سهرة رمضان دون “صينية القهوة” و«صينية السماط”، التي تجمع العائلة بعد صلاة التراويح، حيث تتحول المائدة إلى فضاء للحميمية وتبادل الأحاديث، وهو ما ميز هذا العام، حيث استعادت الصينية النحاسية مكانتها، لا كوعاء فقط، بل كقطعة فنية تعبر عن الذوق الرفيع والانتماء للهوية المحلية. وقد تحولت صينية السهرة إلى لوحة متكاملة العناصر، تتوسطها صينيات نحاسية مصممة على شكل هلال، ترافق أطقم الشاي وتضفي على الجلسة طابعا احتفاليا خاصا. هذا الشكل الهلالي، المستوحى من رمز الشهر الفضيل، أصبح من أكثر القطع طلبا، لما يحمله من دلالة روحية واجتماعية، تعكس ارتباط العائلة القسنطينية بطقوس “السماط”، والسهرات الرمضانية الممتدة إلى ساعات متأخرة من الليل.

وفي جولة بعدد من محلات الأواني والأسواق الشعبية في قسنطينة، لوحظ تخصيص بعض التجار أروقة كاملة لعرض المنتوجات النحاسية بمختلف أشكالها وأحجامها، في مؤشر واضح على ارتفاع الطلب مقارنة بالسنوات الماضية، حيث أكد تجار أن الإقبال لم يقتصر على العائلات فحسب، بل شمل أيضا المقبلين على الزواج والراغبين في تجديد أثاث بيوتهم مع حلول الشهر الفضيل، إذ أصبحت القطع النحاسية خيارا مفضلا لتزيين الصالونات واستقبال الضيوف.

ومن أبرز القطع التي عرفت رواجا كبيرا هذا الموسم، الصينيات الهلالية المرفقة بطقم الشاي، إلى جانب المبخارات، حاملات الشموع، والصحون المزخرفة، فضلا عن صينية “الهلال الصغيرة” التي تستخدم مع أواني الشاي، وتوضع فوق الطاولات الجانبية. كما عادت أطقم التمور والمعسلات إلى الواجهة، بعد أن كانت لسنوات، حبيسة الخزائن، لتستعيد دورها في تنظيم المائدة وإضفاء لمسة تقليدية راقية.

كما برزت بقوة هذا العام “نخلة” تقديم التمر، المستوحاة من نقوش الجنوب الجزائري، خاصة من منطقة تيميمون، حيث تعرض صحون نحاسية مستلهمة من نخلة تيميمون، تضفي لمسة صحراوية أصيلة على المائدة الرمضانية. ولم تعد النخلة مجرد وعاء للتمر، بل تحولت إلى قطعة ديكور أساسية في صينية السهرة، توضع إلى جانب المعسلات والمكسرات، في انسجام بين الذوق التراثي والوظيفة العملية، وتعكس انفتاح الذوق القسنطيني على مختلف المرجعيات الفنية الجزائرية.

أما الفوانيس النحاسية كبيرة الحجم، فقد استعادت مكانتها في زوايا الغرف وعلى شرفات المنازل، حيث تشعل لتمنح المكان أجواء رمضانية هادئة، تعكس ظلال نقوشها على الجدران، في مشهد يبعث على السكينة والحنين. كما تعرف المصابيح الهلالية المعدنية المطلية باللون الأصفر رواجا ملحوظا، إلى جانب حاملات الشموع والبخارات التي لا تكاد تخلو منها مائدة تقليدية، لما تضيفه من عبق خاص، يمتزج برائحة القهوة والشاي والبخور، فيستحضر أجواء رمضان القديمة، التي كانت فيها الحرفة التقليدية حاضرة بقوة في تفاصيل البيت القسنطيني.

ورغم تباين الأسعار، حسب الحجم ودقة الزخرفة وتعقيد الصناعة اليدوية، إلا أن الإقبال ظل معتبرا، حيث حرص التجار على توفير تشكيلات متنوعة تراعي القدرة الشرائية للزبائن. فالبخارات الصغيرة تباع بأسعار في متناول الكثيرين، بينما تتجاوز أسعار بعض الصينيات الهلالية الكبيرة، سقف العشرة آلاف دينار، نظرا لدقة نقشها وطابعها الفني المميز، في حين تتراوح أسعار الصحون المستوحاة من نخلة تيميمون، وأطقم التمور والمعسلات، حسب التصميم والحجم، ما يتيح خيارات متعددة أمام العائلات الراغبة في إضفاء لمسة تراثية على سهراتها الرمضانية.

تعكس هذه العودة القوية للنحاس القسنطيني، وعيا متزايدا لدى العائلات بأهمية إحياء التراث المحلي، ليس فقط كزينة موسمية، بل كجزء أصيل من الهوية الثقافية والاجتماعية للمدينة. فالنحاس، الذي اشتهرت به قسنطينة عبر عقود طويلة، كحرفة تقليدية متوارثة، يجد اليوم في رمضان فرصة جديدة للانتعاش، من خلال ارتباطه بطقوس الضيافة والسهرات العائلية.

وهكذا، لم تعد صينية السهرة الرمضانية مجرد وعاء لتقديم الحلويات، بل صارت مساحة لاستحضار الذاكرة الجماعية، وإعادة الاعتبار لحرف تقليدية عريقة، وربط الأجيال الجديدة بتراث مدينتهم. ففي كل قطعة نحاسية نقش يحكي قصة، وفي كل بريق معدن انعكاس لذاكرة بيت قسنطيني قديم، يؤكد أن رمضان ليس فقط شهر عبادة، بل موسم لتجدد الروابط وتجدد التراث.