حضورها على موائد القسنطينيين ضارب في أعماق التاريخ

"شباح السفرة" أو"طاجين اللوز".. اختصار لهوية متأصلة

"شباح السفرة" أو"طاجين اللوز".. اختصار لهوية متأصلة
  • 49
شبيلة، ح شبيلة، ح

تفرض "شباح السفرة" حضورها مع مطلع رمضان، على موائد قسنطينة، معلنة انطلاق موسم تتجدد فيه نفحات المطبخ التقليدي داخل البيوت، وتعود فيه العائلات إلى طقوس متوارثة، تميز الأسبوع الأول من الشهر الفضيل ومنتصف الشهر. فكما درجت عليه العادة، تحرص الأسر القسنطينية على استقبال رمضان بأطباق تقليدية خالصة، وفي مقدمتها "طبق الحلو"، تفاؤلا بشهر يراد له أن يكون حلوا في أيامه، عامرا بالخيرات والبركات، غير أن "شباح الصفرة" يبقى الطبق الذي يختزل هذه الرمزية، ويترجمها عمليا على المائدة.

لا ينظر إلى هذا الطبق باعتباره مجرد طاجين حلو، بل كعلامة ثابتة للمطبخ القسنطيني، وقطعة من ذاكرته الجماعية، حيث ظل لعقود طويلة، عنصرا أساسيا في فولكلور الطعام خلال رمضان، كما كان يقدم في المناسبات الكبرى والأعراس، بل ارتبط في فترات سابقة، بموائد البايات والعائلات الميسورة، نظرا لارتفاع تكلفة مكوناته، خاصة اللوز والعسل والبهارات النفيسة. ومع مرور الزمن، خرج "شباح السفرة" من دائرة النخبة، ليصبح حاضرا في أغلب البيوت، دون أن يفقد هالته كطبق فاخر.

وتقوم وصفته الأصلية على دقة في المقادير واحترام صارم للمراحل، فالعجينة تحضر من ثلاثة مقادير من اللوز المطحون، مقابل مقدار واحد من السكر، تبل بصفار البيض ويضاف إليها ماء الورد المقطر، لتكتسب نكهتها العطرية المميزة، وبعد أن تترك ترتاح لمدة كافية، تشكل يدويا في أشكال هندسية دقيقة، كالنجمة والهلال والمثلث والمعين، في عملية تتطلب مهارة وصبرا، ثم تغمس القطع في بياض البيض، وتقلى في الزيت مرتين، حتى تكتسب لونا ذهبيا وقواما متماسكا، يسمح لها بتحمل مرحلة الطهي اللاحقة.

أما سر التميز الحقيقي، فيكمن في تحضير المرق الحلو، وهو قاسم مشترك في طواجن الحلو القسنطينية، حيث تبدأ ربة البيت بتقطيع اللحم ووضعه في طنجرة، مع السمن وعود من القرفة وحبة بصل كاملة وشعرات من الزعفران، ويترك الخليط على نار هادئة حتى يذوب السمن، وتتشبع المكونات بالنكهات، ثم يضاف الماء بميزان مضبوط، على أن يقابله مقدار من السكر يتناسب مع كميته، إضافة إلى ربع مقدار من العسل، في توازن دقيق يعد شرطا أساسيا لنجاح الطبق. وبعد استواء المرق، تضاف قطع "الشباح" ويسكب قليل من ماء الورد، لتتعقد الصلصة تدريجيا وتتشرب الحبات حلاوتها، فيتحول الطبق إلى لوحة ذهبية قريبة اللون من العسل.

تتعدد الروايات حول أصل التسمية، ما بين التاريخ والأسطورة والاشتقاق اللغوي، حيث أن الرواية الأكثر تداولا، تعود إلى حقبة البايات، حين يحكى أن "عيشة باية"، التي قيل إنها ابنة صالح باي، أو قريبة أحد أعيان المدينة، حاولت إعداد حلوى من اللوز والسكر، ولم توفق في شكلها الأول، فاهتدت إلى تشكيل العجينة بأصابعها وإعداد مرق حلو وضعت فيه القطع، ثم قدمته على السفرة. وعندما أعجب به والدها، خاطبها قائلا إنها "شبحت السفرة"، أي زينتها وجملتها، فصار الاسم ملازما للطبق منذ ذلك الحين. في المقابل، يرى بعض الدارسين أن الأصل يعود إلى لفظ "جباح الصفرة"، في إشارة إلى بيت النحل الذي يخزن فيه العسل، وإلى اللون الذهبي القريب من صفرة العسل، قبل أن تتحول الكلمة في التداول الشعبي إلى "شباح".

ورغم أن بعض النسوة أدخلن لمسات جمالية على التقديم، دون المساس بالمقادير الأصلية، فإن جوهر الطبق ظل ثابتا، قائما على اللوز والمرق الحلو والميزان الدقيق بين السكر والعسل. كما أصبح اليوم يعرض غير مطبوخ في بعض المحلات والمراكز التجارية، ما سهل اقتناءه، غير أن كثيرا من العائلات ما تزال تفضل تحضيره منزليا، حفاظا على طابعه الأصيل.

وفي بعده الاجتماعي، يمنح "شباح السفرة" معنى إضافيا لرمضان، إذ يشكل وجوده على المائدة، لحظة جامعة لأفراد الأسرة، الذين تفرقهم التزامات العمل والدراسة طوال العام. ففي هذا الشهر، يجتمع الجميع في توقيت واحد لا يقبل التأجيل، لتتحول المائدة إلى فضاء للمة، ويغدو الطبق أكثر من وصفة تقليدية، بل رمزا للاستمرارية والهوية والانتماء.